ضمن سلسلة الندوات العلميّة الأسبوعيّة التي تنظّمها جمعيّة آزاد الإسلاميّة، ويرعاها رئيس مكتب جامعة آزاد الإسلاميّة في لبنان الدكتور محمّد كوراني، ويحاضر فيها أساتذة مهتمّون بالعلوم الإنسانيّة والتجريبيّة والتكنولوجيّة ذات الطابع الإسلاميّ، أو بنقد النظريّات الغربيّة المعاصرة في هذه المجالات، سعيًا وراء "روحنة العلوم في الحضارة الحديثة"
(Spiritualization of Sciences in the Modern Civilization)
قدّم البروفسور حسن خليل رضا محاضرة علميّة في هذا الإطار، في ٣١/٠٥/٢٠٢٤، متوقّفًا فيها عند جملة من النقاط، أبرزها:
- بداهة الشرطيّة التي ترى أنّ الباحث متى كان مؤمنًا بالعقيدة الإسلاميّة ووصاياها ولوازمها ومشتقّاتها، فإنّه لا مسوّغ لديه لإهمالها في بناء تصوّراته، وترسيخ مفاهيمه، وإرساء نظريّاته؛ لكونها ذات مصداقيّة لديه، يطمئن إلى مصدرها، ويوقن بمؤداها، ويدرك منجّزيّتها.
- لزوميّة استحضار التعاليم الإسلاميّة في العمليّة البحثيّة، ما دام المكلّف طرفًا أو عنصرًا في بنيتها، حيث تبسط الكلّيّات الأخلاقيّة المشتقّة من هذه التعاليم سلطتها، وتقدّم ضوابطها؛ لتهذيب العلوم التطبيقيّة بالمعنى الأعمّ في خدمة النوع البشريّ، كما تقدّم نسقًا ذا هويّة خالصة في مجال العلوم الإنسانيّة، يمكن طرحه في عرض المفاهيم والنظريّات والمشاريع التي تحظى بعناية في مجتمع التداول الغربيّ.
- يفتقر المسار البحثيّ إلى جذور معرفيّة مبرهن عليها، حيث يتأسّس على التراكم، ويبتني اللّاحق على المفروغية التوكيديّة من السابق، ويدخل في هذا المحور الموقف الفلسفيّ من الميتافيزيقا، فضلا الركائز الميثودولوجيّة تشكّل التاريخ الداخليّ للعلم، كما يعبّر إمري لاكاتوش، في مقابل تاريخه الخارجيّ الذي يستند إلى المتغيرات السيكولوجيّة السوسيولوجيّة، وتعطي الميتافيزيقا حيّزا فاعلًا في سياقها، لا يمكن إغفال رافديّته له.
- تقدّم النصوص الإسلاميّة - شرط إحراز وثاقتها - أسدية في أزاهير العلوم الإنسانيّة؛ ما يستدعي أن يلوذ الباحث المسلم بخياله الخلّاق، مستفيدًا ممّا أنتجه تراث الإنسانيّة الواسع، في استكمال جذور هذه الأزاهير وسيقانها وكؤوسها وتويجاتها؛ ليكتمل مركّب "البازل" بالتفسير والتحليل والتعليل والتخريج في نسق مبتكر، يحافظ على الأسدية بصورة صارمة، ويضرم جدله المستمر في ما ينسب إلى الباحث نفسه، بوصفه السور الذي يحفظ النواة الصلبة.
- لا يمكن تجاوز المناهج التي أنتجها العقل الغربي المعاصر، فهي ثمرة النضج البحثيّ، والتنكّر لها تشرنق سلبيّ عقيم على الذات، ولا يمكن الانفصال عنها إلا بعد التشبّع منها على مستوى الممارسة، وانبثاق الحاجة إلى تجاوز محدوديّتها، ولا سيما أن المعرفة ملك نوعيّ، وليست حكرًا بالضرورة على السبّاق إليها.
- يقتضي البحث الميدانيّ الموضوعيّة، بعيدًا من القبليّات والمصادرات، فضلًا عن التزام المناهج العلميّة الصارمة، والأدوات البحثيّة المقنّنة، غير أنّه يمكن للباحث المسلم أن يستضيف رؤيته الإيمانيّة في هذا المضمار، من خلال الفرضيّات التي تتيح له التحقّق من المضمون النصّيّ، وربما اللوذ بضروب التأويل التي تعيد إليه قوّة الحضور خارج دائرة الاختبار، أو من خلال العيّنة التي تحمل متغيرات الدراسة، وتوجهها نحو المفارقات التي تنعكس على مخرجاتها.
وقد اتسعت المقاربات والمطارحات والنماذج التطبيقيّة التي تناولها البروفيسور حسن خليل رضا في محاضرته، طارحًا أمام الباحثين تصوّرات غنيّة، بهدف أن تكون ضوءًا ساطعًا أمام التوفيق في دراساتهم بين ضوابط العلم الدقيقة، وتطلّعات الإسلام الخصبة، لعلّها تحدث طفرة مثمرة في عصر الحداثة.
واختتم اللقاء بطرح أسئلة عديدة على المحاضر، أغنت الندوة، وأضفت عليها طابعًا حيويًّا هادفًا وواعدًا في الآن نفسه.





