*الغزيات في مراكز الإيواء: تعدّدت الآلام... والمعاناة واحدة*
فلسطين هداية محمد التتر الثلاثاء 16 تموز 2024
غزة | تتكدّس عشرات العائلات في غرفة صغيرة في مركز إيواء «أبو حسين» شمالي قطاع غزة، فيما تفترش أخرى ساحة المركز، حيث نُصبت خيمة تفاقم حدّة حرارتها من معاناة قاطنيها. وتقول رنيه أبو عمشة (42 عاماً) التي نزحت من بيت حانون إلى المركز، أواخر العام الماضي، بعدما دَمَّر الاحتلال الإسرائيلي منزلها، إن «الحياة اليومية صعبة وسيئة جداً»، وخاصة بعد استشهاد زوجها نهاية العام الماضي. وتضيف، في حديثها إلى «الأخبار»: «أصبحنا نعيش في غرفة صغيرة، فيها النوم والأكل والاستحمام وكل شيء، وأصبحت أنا الأم والأب: أحمل غالونات المياه، وأشعل النار وأشتري الحطب، وأعدّ الطعام، وأغسل على يدي وأخبز بمفردي». و«بالإضافة إلى حرماننا من الكهرباء والمياه والغذاء، تنتشر الأمراض الجلدية والمعوية والأوبئة بين الأطفال الصغار، ولا تتركنا الحشرات والجرذان على رغم محاولاتنا الحثيثة القضاء عليها»، وفق ما تتابع أبو عمشة. وفي مركز الإيواء نفسه، تجلس ناهد الكحلوت (38 عاماً) أمام خيمتها بثوب الصلاة «الذي لا يرتفع عن رؤوسنا إلا عند النوم فقط». وتقول، لـ«الأخبار»، إن «الجلوس أصبح من أعظم الأمنيات؛ فبعدما نسف الاحتلال الإسرائيلي بيتي، نزحت إلى هنا رفقةَ عائلتي المكوّنة من عشرة أفراد»، أصغرهم «طفل يبلغ ثمانية أشهر ويعاني من الحرارة الجلدية بسبب الحرّ الشديد، وتأخّر في النمو بسبب عدم توفر الأغذية التي تقوّي العظام والجسم». وتتابع: «لم يَعُد لدينا أيّ خصوصية. فإذا ما أردنا الاستحمام أو قضاء الحاجة، كل مَن في المركز يعلم بذلك. فتياتي اللواتي في مقتبل العمر يتحرّجن كثيراً ويشتكين من هذا الأمر، وأنا عاجزة عن حلّه لعدم توفّر مكان في الخيمة التي بالكاد تتّسع للنوم والأمتعة الخاصة بنا». وتضيف: «تكون جالساً بأمان الله، وإذ بحيوان يدخل عليك، مرّة قطة، وأخرى كلب، أو رأس حمار، ما يرعب أطفالي فوق رعب القصف والاستهداف المتواصل منذ تسعة أشهر». وإذ تتحدّث عن مرض زوجها الذي لا يقوى على حمل أيّ شيء ثقيل، تزيد: «أنا أحمل المياه والحطب وهو ينظر ويشعر بالعجز الشديد، ما أثّر على نفسيته لعدم قدرته على تلبية الاحتياجات حتى بات لا يحتمل أيّ شيء». وتلفت إلى أنها تعاني من حساسية في اليدين، علاجها وفقاً للطبيب يتطلّب «عدم الإكثار من استخدام المياه وإلّا تحوّلت إلى غرغرينة، وهو ما يصعب عليّ فعله، في ظلّ الحياة التي نعيشها، فلا كهرباء ولا مياه وبالتالي لا غسالات».
أما هبة إبراهيم (28 عاماً) من مركز إيواء «الهدى» في حي الشيخ رضوان، فتعيش ظروفاً «مأساوية»، كما تقول، إذ «تكفي الخلافات العائلية التي تحدث بين الصغار والكبار لضيق المكان وسوء الحال؛ فنحن أكثر من 30 شخصاً نعيش في غرفة واحدة، لا نستطيع النوم بشكل جيد ولا الجلوس بارتياح ولا الأكل بنفس طيب». وتضيف المرأة، في حديثها إلى «الأخبار»، أنه لا راحة داخل الغرفة ولا خارجها، «فحتى عندما تخرج للجلوس في الساحة، تجد مياهاً وقاذورات تسقط على رأسك، وعربات تضربك من خلفك، وأحدهم يضرب طفلك». وتتابع: «ربّما لو كان زوجي معي، لَمَا واجهت كل هذه المعاناة، ولكن قدَّر الله له الشهادة في الشهر الرابع من الحرب لتزداد المعاناة ويزداد الألم».
وفي مركز إيواء معسكر جباليا، تجلس إسلام مصطفى (24 عاماً) بثوب الصلاة أمام خيمتها التي تتوسّط ساحة المركز. وتقول، في حديثها إلى «الأخبار»: «وجدت المكان مكتظّاً، ولكن لا مأوى آخر، فأحضر أخي الخيمة وجلست فيها وعائلتي مع والد زوجي المقعد والذي يزيد وضعه الصحي المعاناة التي نعيشها». وتضيف: «في الخيمة، حديثك مسموع وحياتك منشورة على الملأ، فلم يَعُد للبيوت أسرار، وحتى هذه الخيمة يمكن أن تزاح من مكانها في أيّ لحظة، فقد حدث مرّة أن ضربت عربة مياه الخيمة وأزاحتها من مكانها وكسرت أعمدتها، وفي إحدى المرات أثناء تعبئة المياه للنازحين، دخلت المياه الخيمة وأغرقت الفراش».
تأمل النازحات في أن تنتهي معاناتهن سريعاً
بدورها، تصف إسلام العالول (40 عاماً) حياتها في مراكز الإيواء بأنها «صعبة، وتفوق الوصف». وتقول باستهزاء من الحال الذي وصلت إليه: «أصبحنا نحن والجرذان والديدان أصدقاء، حتى الذباب يوقظنا من النوم صباحاً ويعطينا استراحة منه مساءً». وتضيف: «أصابتنا الأمراض والأوبئة كالنزلة المعوية والكبد الوبائي، وأسوؤها إصابة طفلتي ذات الثلاث سنوات بالأميبيا المتحوصلة، والتي لم تتعافَ منها بعد»، منوّهةً إلى أن «حشرات غريبة تنتشر في المكان ولا تستطيع مكافحتها لانتشار النفايات وعدم توفّر شبكات مياه الصرف الصحي». وتتساءل: «الكل يطالب بإدخال المساعدات، ولكن لماذا لا يتم إدخال المنظفات التي لم تعد متوفرة بتاتاً؟».
أما إسلام أحمد (24 عاماً) فحصرت معاناتها في مركز إيواء شهداء جباليا شمالي غزة بفقدان زوجها، إذ تقول: «نزحت وزوجي وصغاري أول أيام الحرب، ولم يكن زوجي يسمح لي بعمل أيّ شيء. هو مَن يحضر المياه ويغسل الملابس ويخبز الخبز ويقول لي ابقي مرتاحة وأنا أقوم بكل شيء، ولكنه استشهد في أواخر شهر كانون الأول الماضي، وأصبحت أقوم بكل شيء».


