
قـاسـم أكـثـر تـشـدّداً فـي الـمـوقـف مـن الأمـيـركـيـيـن وخـصـوم الـداخـل: نـسـخـة جـديـدة مـن حـزب الله
مـيـسـم رزق - الأخـبـار
لم يحصل في التاريخ الحديث أن تعرّض حزب أو مقاومة للكمات قاسية كتلك التي تعرّض لها حزب الله خلال أسابيع قليلة...
أصابت آلافاً من عناصره قبل اغتيال قادته الجهاديين ثم أمينه العام الشهيد السيد حسن نصرالله.
ولم يمر في التاريخ الحديث نموذج كحزب الله الذي تعرّض لهجمة تُستخدم فيها كل أنواع القوة، الناعمة منها والخشنة، للقضاء على المقاومة.
ثم يخرج منها بسرعة استثنائية، في رحلة تعافٍ بات الجميع يشعر بها، بدءاً من العدوّ نفسه وصولاً إلى حلفائه وأهله.
إذ أعاد تنظيم نفسه وهو في قلب معركة كبيرة وتحديات تفرض عليه مراجعة الكثير من الحسابات والأخطاء الماضية. أثبت حزب الله أن قتله غاية لا تُدرك
٣٠ تموز ٢٠٢٤، لم يكُن يوماً عادياً في الحرب. حدث مفصليّ، كشفَ بعض المستور.
اغتال العدو القيادي الجهادي الكبير في المقاومة فؤاد شكر (السيد محسن). عملية لا تترك مجالاً لأي التباس. ثمة خطأ ما تنبّه له حزب الله.
ما بينَ يوم الاغتيال ويوم الرد عليه في ٢٥ آب باستهداف الوحدة 8200 الإسرائيلية (واحدة من أكبر وأهم الوحدات المتخصّصة في الاستخبارات الإلكترونية عالمياً)...
اتّخذ الحزب أول إجراء تمثّل بالدخول في عملية عزل للوحدات احترازياً، قبل أن يطلق مهمة تحقيق أظهرت تباعاً وجود خرق أمني خطير.
يوم ١٧ أيلول. يومٌ آخر غير عادي، وحدث مفصليّ جديد. تفجير أجهزة الاتصالات اللاسلكية (البايجر).
قنابل متنقّلة بين أيدي عناصر المقاومة. لحظة العملية ظنّ حزب الله أنها صافرة انطلاق من قبل العدو الإسرائيلي لبدء الحرب، وكان ينتظر بدء عملية كبيرة في اليوم نفسه.
إلا أن الإحجام الإسرائيلي كانَ لافتاً، وباباً لأسئلة استدعت تحقيقاً سريعاً ساعد في تحصيل نتائج أولية، أبرزها:
- أولاً: إن الشركة الوسيطة المعنية بإيصال الشحنة عمدت إلى تأخيرها بحجة وجود خلل في الأجهزة، وتعويضاً عن هذا التأخير قامت بخفض السعر.
مثيرة بعض الشبهات من دون أن يؤدي ذلك إلى إجراء سريع يتعلق بالشحنة، وكانَ ذلك واحداً من الأخطاء في عملية الشراء.
- ثانياً: تبيّن أن العدو الإسرائيلي وصلَ إلى الشركة الوسيطة، وكان قد جهّز كمية كبيرة من الأجهزة وقام بتفخيخها بشكل يصعب كشفه.
أما باقي تفاصيل العملية وما أحاط بها فقد أصبحت مكتملة لدى الأجهزة المعنية في المقاومة، ومن غير المعروف متى تتحدّث عنها.
ما يُمكن تأكيده أن الحدثين أماطا اللثام عن خرق أمني إسرائيلي جدّي وخطير، لم تُحسم طبيعته في ذلك الوقت.
بينما استمر العدو في رفع مستوى الضربات ضمن برنامج محدد يقضي باستهداف جميع القيادات قبل الوصول إلى السيد نصرالله.
معتبراً أن هذا الاستهداف من شأنه شلّ الوحدات العسكرية، وبالتالي فإن أي ردّ على الاغتيال سيكون ضعيفاً.
ثم جاءت العملية الكبيرة يوم ٢٧ أيلول. لكن، رغم حالة الصدمة الكبيرة التي خلّفتها لدى كل الجهات في الداخل والخارج وحتى داخل حزب الله، لم يكُن هناك مجال لأي انهيار أو شلل.
الصدمة الكبيرة لم تمنع حزب الله من التصرف على قاعدة أن لدى العدو فكرة واسعة عن كل المراكز والهيكليات فباشر بتنفيذ خطة جديدة لتموضع القيادات.
في هذه الأثناء، بادرت الوحدات العسكرية في الجنوب احتياطاً إلى التخلّي عن كمية كبيرة من التقنيات الموجودة في حوزتها.
وقبل استشهاده (الذي أعلنه حزب الله رسمياً في ٢٣ تشرين الأول)، نقل رئيس المجلس التنفيذي السيد هاشم صفي الدين الحزب إلى مكان آخر، حيث عمل على:
- إخلاء كامل المقرات المعلنة وإلغاء جزء من الأماكن البديلة التي كانت مقرّرة في خطة الحرب السابقة.
- وقف العمل بشبكة الاتصالات الخاصة بالحزب بعدَ أن تبيّن وجود خرق إسرائيلي فيها.
لكنّ الفريق الأمني لم يتنبّه إلى أن المقر الذي توجّه إليه السيد صفي الدين نفسه، كان مشخّصاً أيضاً لدى العدو.
فكان القرار بالتخلي عن كل خطة الأماكن السابقة. ورغم الضربات القاسية، بادر الحزب إلى عملية هدفها الأولي لملمة الفوضى والتأقلم مع الوضع الجديد...
آخذاً في الاعتبار أن العدوان الجوي المعادي على الجسمين المدني والعسكري أصاب جانباً من مقدرات الحزب إلى جانب القيادات الأمنية والعسكرية.
خلال أيام فقط، عاد التواصل بين القيادات الأساسية ومسؤولي الوحدات العسكرية الذين وضعوا خططاً سريعة لإدارة الميدان ربطاً بالوقائع الجديدة.
وبعد ١٥ يوماً، تمّ عملياً تشكيل لجنة تقود العمليات العسكرية، بالتزامن مع عودة التواصل بين القيادات العليا، خصوصاً أعضاء الشورى الذين اتخذوا قراراً بتعيين أمين عام في أقرب وقت.
علماً أن الشيخ نعيم قاسم كان بدأ بتولي المسؤولية انطلاقاً من موقعه، إلى جانب قيادة جماعية تدير الشقين السياسي والعسكري.
قبل أن يصار إلى خلق آلية لتفعيل الجهاز التنفيذي الذي يدير بعض الملفات، تحديداً قضية النازحين.
في ٢٨ تشرين الأول، أعلنَ حزب الله رسمياً انتخاب الشيخ نعيم قاسم أميناً عاماً له.
وعلى الفور، بدأ مناهضو الحزب، بطلب من الأميركيين وبعض العرب، حملة سياسية تركّز على فكرة أن الحزب كقوة وكوحدة تنظيمية مرتبط عضوياً بشخص السيد نصرالله وأن لا بديل عنه.
وتولّى الاميركيون، بواسطة جماعاتهم من اللبنانيين والعرب، اعتبار انتخاب قاسم خيار الضرورة، وأنه لن يتمكن من ملء فراغ السيد.
وهو كلام تثبّت على شكل «تعليمة» عمّمتها السفيرة الأميركية في بيروت ليزا جونسون على صبيانها من الساسة والإعلاميين بالقول لهم:
إن «العد العكسي لانتهاء حزب الله بدأ ويجب التحضير لفترة ما بعده»، *طالبة التركيز على ثلاثة أفكار:*
- أولاً: إن حزب الله لم تعد لديه قيادة سياسية أو عسكرية.
- ثانياً: إن الإيرانيين هم من يتولون قيادة الحزب سياسياً وعسكرياً وتنظيمياً.
- ثالثاً: إن حزب الله دخل حالة من الشلل والانهيار على صعيد البنية التنظيمية.

