كتبت النهار
لا تستقيم المقارنة موضوعياً بين الحقبة التي أعقبت الاجتياح الإسرائيلي للبنان حتى بيروت عام 1982، والملامح المجهولة الغامضة للحقبة التي ستطلع على لبنان بعد الحرب الراهنة، إلا بعامل واحد هو الحرب الإسرائيلية.
عامذاك، كان الاجتياح الأوسع الذي اقتلع من لبنان منظمة التحرير الفلسطينية بزعامتها التاريخية تحت كوفية "أبو عمار"، محدثا برحيله زلزالا لبنانيا إقليميا ظل يتردد صداه عميقا وطويلاً لفرط ما كانت الدويلة الفلسطينية المسلحة أمعنت في التحكم في لبنان "بوصاية" اتفاق القاهرة من جهة والتحالف القتالي والسياسي مع "الحركة الوطنية" وفصائلها وأحزابها من جهة أخرى. كان زلزالا سياسيا مهولا ذاك الذي خلفته إزالة لاعب كبير من المعادلة اللبنانية لم تتلاشَ تأثيراته وتمدداته حتى طلائع عصر الطائف.
والآن تشكل عوامل الحرب الاجتياحية التي يتعرض لها "حزب الله" ومعه وعبره كل لبنان، ما يتراءى لكثيرين أنه استعادة لبعض أو لكثير من جوانب تلك الحقبة، علما أن الفارق التاريخي والجوهري بين الحقبتين كبير وواسع، أقله لجهة أن اللاعب اللبناني في قلب المعادلة السياسية والطائفية والميدانية، أي "حزب الله"، لا يقاس بمعايير التعامل مع اللاعب الفلسطيني، ولو أن هيمنة السلاحين والدولتين على لبنان تبرر المقارنة.
وما يعني اللبنانيين، افتراضا، في ظل أخطر وأوسع اجتياح إسرائيلي بري للبنان آنذاك وأشد اجتياح إسرائيلي تدميري له تكرارا الآن، هو الوقوف عند مشارف زلزال داخلي لا شك في أنه آت، بل بدأ يهرول في ارتداداته الأولية، على المشهد الكارثي الذي لن يكون هناك ما يشبهه في "الطبعات" السابقة للحروب على لبنان وفيه وعبره.
والحال أن عينات التعامل والمقاربات السياسية والإعلامية للكارثة المتدحرجة راهنا، من الاتجاهات السياسية المختلفة حتى من جانب بعض المعارضات أو الفئات المستقلة، بصرف النظر عن عقم الحكم على التصلب الكارثي لدى "الفكر الممانع"، تتسبب هي أيضا بصدمات استباقية لكونها تعكس سطحية باهتة واستسهالا تبسيطيا لا يوحي بأي ضمانات حيال تعامل مسؤول جادّ وجدي يكون على مستوى الزلزال الذي يضرب لبنان. لعلّنا لن نلام إن استبقنا الآتي على لبنان بعد نهاية هذه الحرب الطاحنة في وحشيتها ودمارها ودمويتها المريعة، بأن نخاف من تردداتها وتداعياتها الداخلية أكثر مما نخافها هي تماما.
ذلك أن أي حقبة بعد الحروب المتعاقبة لم يفتقر فيها لبنان إلى دعم أو مساندة أو احتواء من الخارج كما سيكون عليه الأمر بعد هذه الحرب، بما يبقي الأوضاع عرضة لعشوائية وفوضى من "أهل الدار"، وما أدراك ما "أهل الدار" ومقدار الثقة بقدراتهم "التاريخية" على لمّ لبنان بعد الذي سيظهر فيه حين يجلو غبار الحرب؟
تمعن الحرب الآن في ترسيخ دمار غير مسبوق لا يقتصر على الحجر والبشر، عمرانا وأرواحا، ومعوقين ونازحين ومهجرين، بل يتعمق بأخطر ما يكون إلى الدمار السياسي الوطني. وعبثا كل تكاذب آخر يغطي الفوضى التي ستعقب هذا الزلزال. وإن كان ثمة مسالك مطمئنة لدى أي جهة حيال الآتي، فلماذا إذاً الانتظار؟ ومن ينتظرون؟
طمئنونا عنكم ومعكم وأخرجوا الناس من قعر هذا اليأس! أم ترانا يجب أن نتوقع مؤتمرات واستعادات تجريبية عقيمة لما سبقت تجربته وفشل فشلا تاما بعد الطائف، بدليل التفرد والاستقواء ممن استحضر إلينا تكرارا تجارب الفراغ كما استحضر هذه الحرب المتوحشة؟


