*عــ.ـدوان صهيـ.ـوني واسع على سورية.. هل يؤسس لشرق أوسط جديد؟*
شارل أبي نادر
بوتيرة متسارعة سبقت في مدة تنفيذها، المدة القصيرة التي استغرقتها عملية السيطرة على السلطة في سورية، ومباشرة بعد اكتمال خطوطها العامة، نفذ نتنياهو عــ.ـدوانًا واسعًا وصاعقًا على سورية في اتجاهين: الأول، عبارة عن توغل بري وتوسعة احتـ ـلال أراضٍ، داخل الجنوب الغربي السوري، انطلاقًا من الجولان المحتـ ـل، والثاني عبارة عن تنفيذ تدمير واسع وشبه شامل لأغلب قدرات وأسلحة الجيش السوري النوعية الثقيلة والمتوسطة، البرية، والجوية، والبحرية.
صحيح، أنه لم ترتسم صورة واضحة حتى الآن حول أبعاد هذا الـ.ـعـ.ـدوان "الإسرائيلي" المزدوج على سورية، لا في توقيت انتهائه، ولا في حدوده الجغرافية، لكن، يمكن القول، إن المنطقة دخلت معه، (مع هذا الـ.ـعـ.ـدوان)، في مسار من التغيير الإستراتيجي والذي قد يكون مفصليًا، من الواضح أن نتنياهو استطاع أن يطلقه عنوة، وحيث يبدو أنه يعمل على فرضه كمنفّذ لمخطط دولي، أميركي بدرجة أولى، لا يبدو بتاتًا أن هناك أية امكانية إقليمية واضحة لمـ.ـقاومته أو لمنعه، أو على الأقل لتأخيره وعرقلته.
هذا الـ.ـعـ.ـدوان "الإسرائيلي"، والذي بدأ مباشرة بعد نجاح المجموعات السياسية والعسـ.ـكرية للمعارضة السورية في بسط سيطرتها على الحكم في سورية، عقب عملية إزاحة نظام الرئيس بشار الأسد، والذي حصل مع عائلته على اللجوء السياسي في روسيا، يمكن الإضاءة عليه عبر نقطتين: عسـ.ـكرية- ميدانية، وإستراتيجية، وذلك على الشكل الآتي:
ميدانيًا: نجحت وحدات الـ.ـعـ.ـدو في التوغل السريع في شمال وشمال شرق الجولان المحتـ ـل، بحيث أصبحت تسيطر على شريط جغرافي يمتد شمالاً بطول ٢٥ كلم انطلاقًا من خط فض الاشتباك في الجولان المحتـ ـل بعد حرب ١٩٧٣، وصولاً إلى محيط بلدة قطنة السورية جنوب غرب دمشق بأقل من ٢٥ كلم، وبعرض بين ٣ و٥ كلم شرقًا، اعتبارًا من مدينة القنيطرة جنوبًا، مرورًا بخان أرنبة ومدينة البعث، فبلدة حضر وبلدة بيت جن وصولاً إلى قطنة شمالاً، وحيث يشكل هذا الشريط فاصلاً جغرافيًا حيويًا بين لبنان وسورية على كامل الحدود الجنوبية الغربية للأخيرة، نجحت أيضًا وحدات الـ.ـعـ.ـدو في السيطرة على مرصد جبل الشيخ كأعلى نقطة جغرافية في منطقة الاشتباك التاريخي بين الكيان من جهة وسورية ولبنان من جهة أخرى.
عسـ.ـكريًا: استطاعت القوتان الجوية والصا روخية للعدو، وبغياب أية صورة ولو متواضعة أو بسيطة، لأي نوع من أنواع التصدي والدفاع من الداخل السوري، وبفترة قياسية لم تتعد حتى الآن ٣٦ ساعة، تدمير النسبة الأكبر من قدرات وأسلحة الجيش السوري النوعية، الثقيلة والمتوسطة، وعلى كامل الجغرافيا السورية، من جنوب دمشق وصولاً إلى اللاذقية غربًا وإلى القامشلي والحسكة شرقًا، محققة بذلك إزاحة كاملة لقدرات الجيش السوري، والتي كانت في وقت سابق، تفرض ولو بنسبة جزئية، توازنًا معينًا بمواجهة القدرات الضاربة للعدو "الإسرائيلي".
إستراتيجيًا: بعد أن كانت فرق الـ.ـعـ.ـدو الضاربة الخمس قد عجزت عن تحقيق أي توغل بري ذي معنى ميداني في جنوب لبنان، وخلال أكثر من شهرين، وبعد أن انصاعت قيا دة الـ.ـعـ.ـدو لاتفاق وقف إطلاق النار مع لبنان تنفيذًا للقرار ١٧٠١، وبالتزمن مع تحرك الجماعات المسلـ.ـحة للسيطرة على الحكم، بعد أن أمنت لهم دعمًا جويًا استباقيًا، استهـ.ـدفت بفعالية قدرات الجيش السوري وحلفائه، ونقلت "إسرائيل" تركيزها وقدراتها شرقًا، وضربت بعرض الحائط في سورية، كل قيود ومندرجات القانون الدولي ومؤسساته، ومع استغلالها ما آلت إليه الأوضاع هناك بعد عزل وإبعاد قرار وموقف الجيش العربي السوري.
وعلى مرأى ومسمع ومقربة من السلطة الجديدة في سورية، والتي كانت منهمكة على ما يبدو في تركيب خطوط سلطاتها الجديدة، ولم تنتبه لعــ.ـدوان "إسرائيل"، يمكن القول إن الأخيرة مع هذا الـ.ـعـ.ـدوان، فرضت واقعًا جديدًا لا يمكن تجاوزه، حتى الآن ما هو واضح منه: إنهاء قدرات وإمكانيات الدولة السورية كدولة أولى في مواجهتها تاريخيًا، والتحضير السياسي والميداني والعسـ.ـكري لإمكانية فرض تقسيم معين لسورية، لا يبدو في الأفق، أن هناك إمكانية لمنعه والتصدي له.


