*كان سلام في شبابه من أنصار تعريب التعليم وتأميم المؤسسات التعليمية الأجنبية وضمان ديموقراطية التعليم للجميع*
فـ«تحرير الوعي من سطوة الهيمنة الأيديولوجية الإمبريالية» كان مهمة مركزية بنظر نواف الشاب. وكانت هذه القناعة موضوع رسالة الماجيستير التي ناقشها في جامعة السوربون في باريس سنة 1974، تحت عنوان «تاريخ ودور الاختراق والنفوذ الفرنسي والأنغلو-أميركي لقطاع التعليم في لبنان (1840-1914)»، وأشرف عليها المؤرخ الماركسي بيار فيلار، وضمت لجنة مناقشتها مرجعين علميين مرموقين، هما المؤرخ جاك بيرك، ممثل ما يمكن تسميته بـ«الاستشراق المنصف»، وبيار بورديو، أحد أبرز علماء الاجتماع، والذي اشتهر بعمله على دور المؤسسات العلمية والتربوية في تثبيت هيمنة الدولة ونخبها الحاكمة في المجتمع عبر ترسيخ الفكر السائد ومفاهيمه في أذهان أجياله الصاعدة.
بالنسبة إلى ثوريّ ملتزم بـ«خط الجماهير»، كما كان حال سلام وغيره من أعضاء «الكتيبة الطلابية» في حركة فتح، لم تكن المواجهة مع الإمبريالية تقتصر على الميادين السياسية والعسكرية والاقتصادية، بل تتعداها لتشمل الميدان الفكري - الثقافي، خصوصاً في بلد كلبنان. ويشرح سلام في رسالته التلازم بين نمو المصالح الاقتصادية والسياسية للقوى الاستعمارية، فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، في بدايات القرن التاسع عشر، في منطقة الساحل السوري، أي ما سيصبح لاحقاً «لبنان»، استناداً إلى التنازلات التي قدمتها السلطنة العثمانية لهذه القوى، وبين حرصها على انتشار وتطور مؤسسات تعليمية مدرسية و/أو جامعية تابعة لها، تسهم في تعزيز نفوذها في هذه المنطقة، وفي إنتاج نخب سياسية واقتصادية وثقافية مرتبطة بها.
بكلام آخر، وفي هذه المنطقة تحديداً، مثّل تغلغل وتوسع النفوذ «الثقافي» عبر المؤسسات التعليمية، والعمل على إعادة صياغة البنى الاجتماعية، التمهيد الفعلي للغزو العسكري المباشر والاحتلال الذي حصل عند نهاية الحرب العالمية الأولى.
ينشر سلام، للدلالة على الترابط بين تنامي النفوذ الثقافي عبر المؤسسات التعليمية، وتوسع النفوذ الاستعماري بفضله، رسالة من الأب اليسوعي جيل دو بروتون لرئيس وزراء فرنسا فرنسوا غيزو، تعود إلى عام 1841، يطالبه فيها بتمويل مدارس اليسوعيين في لبنان وسوريا لأن «الجهد الذي ستبذله فرنسا لاستعادة نفوذها هو ما سيقرر ما إذا كانت الحضارة ستكون إما فرنسية أو بريطانية… ويمكن لنا عبر نشر اللغة الفرنسية، والتعليم والقيم الأخلاقية والفنون والهندسة الزراعية، أن نسيطر على السكان، وسيصبح لفرنسا هنا جيش مخلص لحماية مصالحها على ضفاف نهر الفرات».
المرحلة التاريخية التي تتناولها الرسالة (1840-1914)، هي المرحلة الحساسة التي شهدت تزايداً ملحوظاً لدور المؤسسات التعليمية الغربية، وتنافساً في ما بينها، يعكس التنافس بين فرنسا من جهة، وبريطانيا والولايات المتحدة من جهة أخرى، للسيطرة على الساحل السوري لميزاته العدة، وبينها أنه منفذ للداخل العربي. ورأى سلام في مقدمة رسالته، التي أعدها بعد نحو 30 سنة على استقلال لبنان، أن انتزاع الاستقلال الحقيقي عن المراكز الاستعمارية، القديمة منها (فرنسا)، والجديدة (الولايات المتحدة)، مشروط بتعريب التعليم، والسيطرة على المؤسسات التعليمية الأجنبية، أو حتى تأميمها، وضمان ديموقراطية التعليم للجميع.


