يوم الأحد الفائت، في الـ23 من شباط/ فبراير، وضعت أحزاننا أوزارها، وكذلك فعلت الحرب. في ذاك اليوم، انتهت المراثي، انقضى أوان الجزع والبكاء، وقفنا أمام حقيقة، كلنا أردنا تكذيبها، أودعنا رجلاً بهامة السيد حسن نصر الله التراب، ومعه ما يقرب من الـ6 أشهر من المشاعر الغريبة المتآلفة المتضاربة في آن. يوم الأحد، ومع ذلك المدّ العاشق، انتهت مراثينا. وبعده، علينا أن نبرع مجدداً في ما أجدناه على مر قرون طويلة، منذ العاشر من محرم عام 61 للهجرة؛ في إخراج الدمعة الثائرة من العين الجزوعة المفجوعة.
مثلما ترك لنا سماحة الأمين المؤتمن الشهيد إرثاً من الشموخ والعزة، حمّلنا تركةً من المسؤوليات الجسام. تحدّيات كبيرة وجدنا أنفسنا أمامها غداة انتهاء الحرب التي استمرّت منذ الـ8 من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
فمن كان يقف عند حافة قريته الحدودية، ينظر إلى الأراضي المحتلة، منتظراً لحظة دخولها دخول الفاتحين،
بات اليوم محروماً من الدخول إلى قريته، أو بالحد الأدنى، محروماً من أمن اعتاده لوقت طويل مضى.
اليوم، نحن في أمسّ الحاجة إلى ردّ الصاع للعدوّ المحتل، حتى نراه مجدّداً عاجزاً، خائفاً، يقف «على رجل ونصف» فيما أهلنا يمارسون حياتهم اليومية في قراهم الحدودية وكأنهم يحيون في قلب العاصمة، بل وربما كان ما يشعرون فيه من أمن وأمان، لا يعرف سكان العاصمة مثله. إعادة بناء الصورة الرادعة، والثأر المعنوي، ربما يكون من أكثر ما يحتاجه أهل المقاومة اليوم،
ولكنه متروك في أيدٍ أمينة، ممّن امتهنوا إذلال العدوّ بالأمس، وأنا أدّعي وأقول إنّ السواد الأعظم من بيئة المقاومة اليوم في لبنان، .باتوا أكثر ثقة واطمئناناً بأبنائهم المقاومين. وكلنا نعلم أن ما بني بدمع ودماء لعقود، أقوى من أن تجرفه الصعاب، مهما قست.
غياب السيد سيفرض، حكماً، تحدّياً آخر. العلاقة العاطفية الأبوية التي بناها السيد مع جمهور المقاومة لا يمكن تجاوزها. أقول كنا ننتظر منه، أحياناً، خطاباً شوقاً لرؤيته وسماع صوته، لا أكثر ولا أقل. وهذا ما هو موكل إلى القيادة الجديدة، لا لتملأ فراغ أحد، بل لتصنع علاقتها المتميّزة مع الناس، وهي أهلٌ لذلك، وذلك ما سيكون بإذن الله.
تبقى تركة السيد الأعظم: الناس. أولئك الذين استقبلوا الصواريخ بصيحات الولاء طوال شهرين متتاليين. والذين وقفوا على ركام منازلهم، يحملون صور شهدائهم، ولسانهم: فداءً للمقاومة وسيدها.
الذين افترشوا الطرقات من ساعات المساء المتأخرة ليضمنوا قدرتهم على المشاركة في وداع قائدهم. أدنى الوفاء لسيّد الأمّة اليوم يتمثّل في خدمة هؤلاء. بعد الحرب الأخيرة، تحديداً، قد يكون مقبولاً أن يكون الدفاع عن سلاح المقاومة مهمّة السياسة – والسياسيين – الأولى في حزب الله،
ولكن مع الالتفات إلى أنّ هؤلاء هم أقوى أسلحة المقاومة.
يجب أن يكون العمل الجدي والدؤوب على أن تصبح أحياء الضاحية خالية من أي نوع من أنواع بؤر الفساد، حائط الدفاع الأول عن المقاومة وسلاحها.
أن يرفع سيف احتكار العصابات للكهرباء البديلة، في الضاحية الجنوبية لبيروت، والتحكّم في احتياجات سكانها الأساسية، أقلّ ما يمكن أن تُقابل به هذه البيئة المقاومة.
الدفاع عن حقوقها في التنمية المتوازنة، العمل على إنعاش المدرسة الرسمية والجامعة اللبنانية،
وضع حدّ لحالات انعدام الأمن في بعض شوارع وأحياء الضاحية... وغيرها الكثير من لائحة تطول وقد لا تنتهي، لن يكون هناك من وفاء لسيدنا الشهيد، ولا حرص على حماية أحد أهم مواطن قوّة المقاومة، من دون وضعها في أولى الأولويات.
الناس، خدمة الناس، حفظ الناس... هي الوصية الأساس.


