تشهد سوريا تحوّلات سياسية وميدانية كبرى، من شأنها خلق واقع جديد لشكل الحياة السياسية والأوضاع الأمنية في البلاد، في إطار اتفاقات منفردة تعقدها الإدارة الجديدة مع القوى النافذة على الأرض.
ويأتي هذا في وقت لا يزال يعيش فيه الساحل واقعاً مأساوياً في ظل استمرار حالة الفوضى والهجمات الفصائلية على المناطق الريفية، والتي شهدت مجازر تطهير طائفي، أودت بحياة آلاف المدنيين،
ولا تزال معالمها تتكشّف بالرغم من محاولات التعتيم التي تفرضها السلطات الحاكمة في دمشق، والتي وعدت بمحاسبة جميع مرتكبي هذه الجرائم،
في سياق محاولة امتصاص ردود الفعل الدولية الغاضبة.
وبعد يوم واحد فقط من الإعلان عن توقيع اتفاق بين الإدارة و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، لانضمام الأخيرة إلى الجيش السوري الناشئ، بدأ العمل على تنسيق ضم السويداء، التي تحكمها فصائل درزية وتسعى إسرائيل إلى استغلالها في سياق حملة عسكرية – أمنية تهدف إلى تقسيم سوريا؛ إذ أرسلت المحافظة وفداً من قوى سياسية فيها، أمس، أجرى مباحثات مع الشرع،
وخلص إلى اتفاق تمّ بموجبه رفع العلم السوري فوق مبنى المحافظة، بعد أيام من رفع راية «الموحدين الدروز».
ويأتي ذلك بالتوازي مع عملية إعادة تموضع وتوزيع للقوى، من بينها الاستعانة بـ«جيش سوريا الحرة»،
الذي أنشأته الولايات المتحدة في منطقة التنف عند المثلث الحدودي مع العراق والأردن، للعب دورين مركبين في الجنوب الشرقي من البلاد، حيث يتم العمل على تكليفه بحراسة الحدود السورية مع الأردن وأجزاء من حدود العراق،
وعمليات تأمين المواقع النفطية التي أعلنت الإدارة السورية بدء تسلمها،
في إطار الاتفاقية التي ستعيد سيطرة الحكومة على مواقع سيطرة «الإدارة الذاتية».
وبينما جاءت بنود الاتفاقية الموقّعة بين الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، وقائد قوات «قسد» مظلوم عبدي - والتي تمّ منحها نحو تسعة أشهر لإنجازها -،
فضفاضة وغير محددة بشكل دقيق في بعض جوانبها، تشير المعطيات، ولا سيما التصريحات التالية لهذه الاتفاقية التي تمّت برعاية أميركية ومشاركة فرنسية،
إلى أن التوجه العام لشكل الدولة السورية يسير نحو إقامة نظام حكم غير مركزي، في مقاربة وسطية بين الحكومة المركزية التي كانت قائمة، ومحاولات فدرلة البلاد،
على أن يكون القرار السياسي والاقتصادي بيد حكومة دمشق، التي أقرّت بقوى الأمر الواقع في مناطق سيطرتها،
وشكل الحياة فيها، وهي نقطة فُتحت الباب أمام عملية ضم السويداء.
على أن مباحثات داخلية في السويداء لا تزال تجري بين قوى المحافظة، والشيخ حكمت الهجري، الذي أعلن رفضه الاتفاق، وسط حديث عن رغبة كبيرة لديه في الانتقال إلى نظام فيدرالي.
وفي المقابل، أبدت القوى السياسية في المحافظة رفضها لذلك، بعد أن حصلت على ضمانات من الإدارة الجديدة بالمحافظة على خصوصية المنطقة،
ومنحها صلاحيات بإنشاء قوة عسكرية تجمع شمل الفصائل تحتها، وتنشط بشكل رئيسي في السويداء،
وتشارك في العمليات العسكرية التي قد يطلبها الجيش الناشئ لاحقاً،
على أن يتم البت في تلك التفاصيل فور توافق القوى الداخلية في المحافظة الواقعة جنوبي البلاد.


