كتبت النهار
على الصورة الميدانية والرمزية في آن واحد، والتي يواجه عبرها الجيش اللبناني المواجهة المربكة والصعبة لحرب إسرائيلية متجددة عبر الجنوب ومعارك بين ميليشيات سورية والعشائر و"حزب الله" عند الحدود الشرقية مع سوريا، نخشى أن يكون لبنان واقعا تحت وطأة فوضى إقليمية طالعة حديثاً ومنذرة بالزحف علينا مجدداً.
لم يكن إعلان إسرائيل تجدُّد الحرب على غزة فيما يتمدد في جنوب لبنان الشريط الحدودي منذراً أيضا بنهاية اتفاق وقف الأعمال العدائية، سوى من مؤشرات قسرية توجب على اللبنانيين إعادة النظر تماما في تقويم الواقع الذي يعيشونه منذ بداية العهد الجديد. وإذا كان اندفاع المنحى الهجومي الإسرائيلي في كل المنطقة، وليس فقط في لبنان وغزة، لا يفاجئ أحدا، فإن لبنان الدولة الجديدة والعهد الجديد والحكومة الجديدة والقوى السياسية القائمة "القديمة المعتقة"،
ستجد نفسها جميعا أمام حتمية الصدمة الأولى التي تستدعي سلوكيات وسياسات وإجراءات طوارئ، أكثر من عاجلة، منعا لانهيار الانفراج اللبناني الذي بالكاد يقلع ببطء.
لم يكن جائزاً قبل الآن انتقاد الدولة اللبنانية أو استعجالها وضع خطط المواجهة الطارئة وتنفيذها، فيما يعاد ترميمها وملء مؤسساتها عقب طول فراغ.
ولكن المجريات المتسارعة باشتعال الجبهات الحدودية جنوبا وشرقا وشمالا،
على نحو مثير لكل الشبهات بتزامنه، مع كل ما يجري حول لبنان،
لا يدع مجالا للشك في أن المنطقة تنزلق إلى فصل ارتدادي شامل من الحروب والفوضى لن ينفع معه أي هروب لبناني من الاعتراف بخطورة ما يحدق بنا مجددا، بعيدا من إنكار المنكرين وتذاكي المتذاكين.
وإذا كان لـ"الجبهة السورية" خصوصا من دلالات عاجلة،
فهي تتصل بتدرج خطير بدأ مع الموجات الإضافية لألوف النازحين العلويين إلى عكار وجبل محسن، والتي لا تزال متواصلة بتدفق ينذر بترانسفير علوي سوري إلى الشمال اللبناني.
ثم كان الاشتعال المسلح الواسع بين ميليشيات فالتة في الجانب السوري يزعم أنها تابعة لجهاز عسكري نظامي لدى الحكم الانتقالي السوري، ولا شيء يثبت "نظاميتها"،
وبين العشائر اللبنانية التي يستحيل تصور امتلاكها الأسلحة الثقيلة لولا وجود أساسي لـ"حزب الله" في بنيتها المقاتلة.
وسط تداخل تاريخي مزمن للحدود والبلدات والقرى في تلك الأنحاء، يعود ملف ترسيم الحدود اللبنانية السورية ليزاحم ملف الحدود اللبنانية مع إسرائيل،
كما يعود ملف نزع سلاح "حزب الله" جنوب الليطاني وشماله امتدادا إلى مناطق التداخل بين الحدود اللبنانية والسورية.
كل هذا محمول على تساؤلات مثيرة لكل المخاوف عما إذا كان لبنان، بحكمه وحكومته الجديدين،
وبمناخ سياسي مترجرج، قادرا على منع انزلاق البلاد إلى تلقي تداعيات الفوضى التي تحاصرها وتكاد تعيدها إلى زمن الاستباحات الخارجية لاستقرارها المرجو.
والحال أن الخشية من هذا الانزلاق ليست مجرد هاجس مبرر للبنانيين الذين لا يودون سماع أنغام التحذيرات من احتمالات قاتمة على أبواب الربيع والصيف، بل تكتسب كل جديتها من التعلق بفرصة إنقاذ بالكاد أقلعت…


