*بقلم رين حسين*
بعد أن استيقظ السوريون على طموح لغد أجمل في سوريا الجديدة، جاءت المجازر المتكررة لتقتصّ هذا الطموح بأحداث مأساوية شهدها الساحل السوري استهدف أبناء الطائفة العلوية بذريعة "ملاحقة فلول النظام".
تشهد الساحة السورية اليوم تصعيدا جديدا يستهدف فئات من طوائف أخرى على رأسها الطائفة الدرزية التي عاشت في الأيام الأخيرة مجازر في جرمانا وصحنايا، سقط خلالها عشرات القتلى والجرحى، والذريعة: "إساءة رجال دين من الطائفة الدرزية إلى النبي محمد."
وقد رافقت تلك الأحداث تصاعدًا ملحوظًا في الخطاب الطائفي ضد الدروز، حيث جاء هذا التصعيد بعد محاولات "فصائل مسلحة خارج عن القانون" بحسب تعبير الرئيس السوري أحمد الشرع، من المفترض أنها حُلّت سابقًا ضمن عملية لإعادة هيكلة وزارة الدفاع السورية.
وكانت هذه الفصائل قد حاولت الدخول إلى أحياء درزية مثل جرمانا وأشرفية صحنايا، تحت غطاء ديني تحريضي، لكن السكان المحليين الذين نظموا لجانًا شعبية منذ سنوات الحرب تصدوا للمهاجمين ما أدى إلى اشتباكات دامية خلفت عشرات القتلى من بينهم عناصر من "الأمن العام" الذي تدخل لمحاولة احتواء الموقف.
ورغم تعرض أبناء الطائفة العلوية لمجازر من قبل الفصائل ذاتها بذريعة مختلفة، إلا أن الوضع بالنسبة "لدروز سوريا" مختلف عن وضع "العلويين" الّذين لم يتسلحوا ولم تتم حمايتهم من جهة إقليمية، فالطائفة الدرزية تمتلك بنية قتالية منظمة وتسليحًا مقبولا الى حد ما فضلا عن الدعم الإسرائيلي المتصاعد تحت شعار "حمايتهم".
هذا التدخل الذي يرفضه الكثير من الدروز السوريين تزامن مع ضغوط سياسية من تل أبيب لدفع باتجاه نظام فيدرالي في سوريا يمنح الدروز حكماً ذاتيًا جنوب البلاد على نحو يشبه الطموح الكردي في شمال شرق سوريا.
أما عن التحرك الإسرائيلي الذي تبلور من خلال تظاهرات خرجت شمال كيان الإحتلال، فقد طالب دروز الداخل حكومة نتنياهو بالتدخل لحماية "إخوانهم" في سوريا، كما دعا الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في الكيان الشيخ موفق طريف إلى تحرك فوري "لمنع مجزرة وشيكة"، فكان رد رئيس وزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإصدار بيان مشترك مع "وزير حربه" يسرائيل كاتس مهددين فيه النظام السوري لحماية الدروز، معتبرين أن هذه "الأقلية التي تعهدت إسرائيل بحمايتها تتعرض لهجوم". وقد تلقى الجيش الإسرائيلي تعليمات بالاستعداد لـ"الدفاع" عن جرمانا كما تم التأكيد مجددًا على التزام الدولة العبرية بحماية الدروز داخل وخارج حدودها.
في مقابل هذا الخطاب "الحمائي"، صرّح وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بأن "الحرب لن تنتهي قبل تفكيك سوريا"، ما يعكس تناقضًا صارخًا في السياسة الإسرائيلية ويفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة: هل التحرك نابع من دوافع إنسانية أم استراتيجية؟
وبينما الشرع يجد نفسه وسط سلسلة من الضغوطات منها داخلية ناجمة عن البنية المتنافرة لجماعته السياسية، ومنها خارجية تعكس التداخل الحاد بين مصالح الفاعلين الإقليميين والدوليين، وبين التركيبة المتعددة للمجتمع السوري نفسه، يسابق الشرع الزمن لتفكيك هذا المشهد، وتدل تصريحاته التي عبّر فيها عن قبوله بفكرة التطبيع مع إسرائيل عل ذلك، الأمر الّذي يضع علامات استفهام حول مستقبل سوريا وهويتها وموقعها في خارطة التحالفات.
بالخلاصة، يجبرنا المشهد السوري عل طرح أسئلة إجاباتها مبهمة حتى اللحظة، فهل ما نشهده اليوم هو مجرد تصاعد للعنف الطائفي أم أن هناك ما هو أعمق من ذلك؟ ماذا عن باقي الأقليات السورية: هل ستكون هي الأخرى على قائمة الضحايا في المرحلة القادمة؟ وهل يمكن أن تكون هذه المجازر جزءًا من مشروع إقليمي لتفكيك سوريا وخدمة المشروع الاسرائيلي؟ وإن كانت إسرائيل تُظهر حرصًا على حماية الدروز السوريين، فما مدى صدق هذه الوعود، وما الذي تخفيه خلف خطابها الإنساني؟


