*«معالجة أوضاع المصارف»: قانون في خدمة «النموذج»*
جال رئيس بعثة صندوق النقد إلى لبنان فريديريكو ليما على المسؤولين في لبنان وأبلغهم بملاحظات الصندوق على مشروع قانون المعالجة لأوضاع المصارف الذي يناقش الآن في لجنة فرعية من لجنة المال والموازنة.
اللافت أن الصندوق سبق أن اطّلع على المشروع الذي أعدّته وزارة المال بالتنسيق مع الصندوق، ما يثير التساؤل عمّا إذا كانت الحكومة امتنعت عن الأخذ بملاحظات الصندوق قبل إعداد المشروع، أم أن الصندوق نصب لها فخّاً وقعت فيه. وبمعزل عن هذا السلوك، فإن ملاحظات الصندوق تصيب جوهر المشروع، علماً أنها في جانب منها ليست ملاحظات فحسب بل تتصل بفرض شروط محدّدة بتوزيع الصلاحيات وبتوجيه المشروع لتطبيق الإملاءات التي يرغب الصندوق بفرضها على لبنان، وهي تختلف جوهرياً عن الملاحظات التي قدّمها حاكم مصرف لبنان كريم سعيد للجنة المال والموازنة النيابية.
ملاحظات مصرف لبنان التي أعدّها ثلاثة محامين هم نصري دياب وبديع مكرزل وإيلي شمعون استهدفت مسألة أساسية هي استقلالية مصرف لبنان، بمعنى أنها ركّزت على البنية السياسية لوجود مصرف لبنان وتراتبيته فيها بما في ذلك هيمنته على الرقابة المصرفية، بينما أصابت ملاحظات الصندوق بشكل موضوعي أساس عمل مشروع القانون وآلياته انطلاقاً من قواعد يتّبعها أو يحاول أن يفرضها الصندوق على كل الدول التي يتعامل معها.
تسعى ملاحظات الصندوق إلى تعديل مشروع القانون وفقاً للمسار الذي يرغب فيه حصراً للتعامل مع الأزمة، إلا أنه رغم أهميتها لا يمكن حصر النقاش بما يقوله الصندوق، وبما يقوله الحاكم، ولا سيما أن لكلّ منهما هدفاً. فمجموعة المصالح التي يمثّلها الحاكم اليوم، لا تريد أي علاقة مع الصندوق، بينما يقدّم الصندوق ملاحظات تقنية بخلفية سياسية ساعية إلى الهيمنة الدائمة على القرار المالي في لبنان.
وهذا الأمر محل انقسام بين قوى السلطة؛ فمجموعة رئيس الحكومة نواف سلام تريد اتفاقاً سريعاً مع الصندوق بالشروط المفروضة، في مقابل قوى أخرى مثل رئيس مجلس النواب نبيه برّي الذي يربط جدوى النقاش في المشروع المُحال من الحكومة لمعالجة أوضاع المصارف بمشروع إعادة التوازن المالي المسمّى «قانون الفجوة» أو قانون «توزيع الخسائر».
حجم التناقض والاختلاف في الأهداف والغايات كبير إلى درجة أن التمييز بين ملاحظات الصندوق وملاحظات الحاكم صعب جداً في ظل غياب جهة مستقلّة عن تقديم رأي سياسي - قانوني - تقني معزول عن الأهداف والغايات للطرفين. وسينعكس هذا الاختلاف في المشروع الأساسي لتوزيع الخسائر الذي يُعدّ كرة نار؛ قبل أسابيع قال وزير المال إن إعداد مشروع قانون التوازن المالي أو كما يُسمّى «الفجوة» هو من اختصاص مصرف لبنان، ولكنّ الأخير قال إنه مستشار للحكومة، أي إنه قد يُعدّ مسوّدة تقنية للمشروع ولكنّ القرار ليس من اختصاصه.
الصراع بين حزب الصندوق وحزب المصرف مستقرّ على حاله، مع بعض التبدّل في موازين القوّة. الخارج أصبح أقوى وأكثر جرأة في التعامل مع الملفات اللبنانية، والداخل أصبح أكثر تشدّداً في التعامل مع ملفاته الداخلية. لذا، لا يُتوقّع أن يدخل العلاج المتأخّر ست سنوات للأزمة، في مسار سريع اليوم. ولا يُتوقّع أن تكون التسوية مرتقبة، والتي يشكّل مشروع القانون المُحال على المجلس النيابي جزءاً منها، من منظور اقتصادي واضح لمستقبل السياسة والاقتصاد والقطاعات، بل هي اليوم أقرب لتكون على طريقة «استئناف» ما توقّف في عام 2019 رغم كل التشوّهات الإضافية التي أصابت نموذج الاقتصاد السياسي للبنان


