هادي حسين شكر
في الأزمنة التي تتقاذفها التحولات السياسية والتكنولوجية، لم تعد حرية الإعلام مجرد مطلب هامشي أو شعار نخبوي، بل باتت مقياساً لمدى تطور المجتمعات،
ومؤشراً حقيقياً على حجم التوازن بين الدولة والمجتمع، بين السلطة والرأي العام، وبين الحقيقة والدعاية.
لكن مع هذا الاتساع في فضاء التعبير، تبرز اليوم قضية خطيرة ومقلقة: هل كل ما يُقال أو يُكتب باسم "حرية الإعلام" يندرج فعلاً تحت هذا العنوان؟
أم أننا نشهد توظيفاً سيئاً لهذه الحرية لخدمة أجندات خاصة، وتحريض جماعات، وإثارة نزاعات؟
"الكلمة أمانة وليست عبثاً"
العمل الإعلامي ليس مجرد وظيفة أو مهنة، بل هو رسالة تحمل مسؤوليات كبرى.
فالإعلامي هو صوت الناس، وعين الرأي العام، ومرآة المجتمع، وأحياناً بوصلته.
وفي هذا الإطار، فإن من يعتلي منبراً إعلامياً، أو يظهر على شاشة، أو يكتب في صحيفة، أو يغرد في مواقع التواصل،
عليه أن يدرك جيداً أن كل كلمة منه قد تُحدث أثراً يتجاوز اللحظة والمكان.
قد توجّه رأياً عاماً، أو تشعل فتنة، أو تنشر وعياً، أو تهدم سمعة، أو تزرع الخوف والكراهية في النفوس.
ولهذا نقول بوضوح: حرية الإعلام لا تبرر خطاب الكراهية، ولا تعني التجريح، ولا تسمح بالتشهير، ولا تغفر التحريض.
"الإعلامي الحقيقي يزن كلماته"
في خضم هذا الفضاء المفتوح، من السهل جداً أن يتحوّل الإعلامي إلى أداة حرب بدل أن يكون جسر حوار.
ومن السهل أن ينجرّ خلف رغبة في "الفرقعة الإعلامية" أو "الترند"، فيطلق اتهاماً جزافاً، أو يحمّل جهة مسؤولية دون دليل، أو يحرّض طائفة على أخرى.
لكن الإعلامي الحقيقي هو من يدرس كلماته بدقة قبل نطقها، ويعرف تماماً كيف يدير الزاوية، وكيف يبني الجملة،
وكيف يختار توقيت وخلفية كل معلومة يطرحها.
فلا معنى للحرية بدون وعي، ولا قيمة للكلمة إن لم تكن مدروسة بعين العقل ومسؤولة أمام الضمير المهني.
"الفرق بين الحرية والفوضى"
لا يجوز الخلط بين حرية الإعلام وفوضى الإعلام.
الأولى تُبنى على قواعد: المصداقية، التوازن، الحياد، احترام الخصوصيات، والدقة في عرض المعلومات.
أما الثانية فهي سوق مفتوحة للفتن، ومنصة للشتائم، ومرتع للارتزاق السياسي والطائفي.
كم من إعلامي أو مذيع أو كاتب استغل موقعه في الإعلام ليصفّي حساباً شخصياً أو ليخدم أجندة خارجية أو داخلية؟
وكم من مقال أو برنامج فجّر حالة احتقان، بدل أن يساهم في حلها أو تبريدها؟
الإعلام ليس منصة حرب أهلية، بل حارس وعي جمعي، وإذا خرج عن هذه الوظيفة، أصبح كارثة متنقلة.
"التكنولوجيا ضاعفت التحدي"
لقد منحت وسائل التواصل الاجتماعي مساحة غير مسبوقة لحرية التعبير،
لكنها في المقابل عمّقت خطورة الانزلاق نحو الكراهية.
فأصبح كل شخص يمتلك "ميكروفوناً" خاصاً، حتى وإن لم يكن يمتلك خلفية مهنية أو التزاماً أخلاقياً.
وهنا تزداد أهمية الإعلام التقليدي والمهني، في مواجهة هذا الطوفان من المعلومات المغلوطة، والعبارات الحاقدة، والمواقف المستعجلة.
فالمؤسسات الإعلامية لا تملك فقط المصداقية، بل تملك أيضاً أدوات التصحيح، ومنهجية التحقق، وسقفاً من المسؤولية.
"قوانين الحماية والمحاسبة"
حرية الإعلام لا يمكن أن تكون مطلقة، ولا ينبغي أن تُستخدم كذريعة لتدمير الأفراد أو الجماعات.
لذلك فإن وجود قوانين تُنظّم العمل الإعلامي وتُحاسب على خطاب الكراهية ليس تهديداً للحريات، بل هو ضمانة لحماية الحرية نفسها من التشويه.
لا بد من تعزيز التشريعات التي تميّز بين النقد البنّاء والتحريض المدمر، بين الرأي الحر والافتراء المقصود، بين الكلمة الواعية والعبارة المتهورة.
"الإعلامي صاحب الرسالة"
في زمن الانقسامات، يبقى الإعلامي صاحب الرسالة هو الأمل الأخير.
ذاك الذي لا يبيع الكلمة، ولا يؤجّر الموقف، ولا ينحني أمام الترهيب أو الترغيب.
هو من يرى الحقيقة بعيون الناس لا بعيون السلطة، ويعرف أن المهنية ليست صراخاً على الهواء،
بل صمتاً عميقاً خلف الكواليس لوزن كل جملة، وتحليل كل موقف، وتقدير كل كلمة قبل أن تُقال.
التعبير عن الرأي مشروع… ولكن
لا مانع أبداً أن يعبّر الإعلامي أو الكاتب عن رأيه، فهذا حق طبيعي وأساسي في أي بيئة حرة.
فكل فرد، وكل صحافي، وكل وسيلة إعلامية، لها مرجعيتها السياسية، ونظرتها الخاصة، وموقفها من القضايا.
وهذا التنوع هو ما يغني الحياة الديمقراطية ويُثري النقاش العام.
لكن التعبير عن الرأي لا يُلغي ضرورة الالتزام بالضوابط الأخلاقية. لا يُعطي أحداً الحق في التشويه أو الإساءة أو استخدام المنبر الإعلامي كأداة شخصية للهجوم أو التخوين.
الرأي يجب أن يكون حراً، نعم، ولكن بمسؤولية ووعي وضمير مهني،
وإلا تحوّل إلى فوضى تهدم ما تبقى من ثقة الناس بالإعلام.
"خاتمة: الإعلام إما أن يبني... أو يهدم"
إننا في لحظة حرجة من تاريخ الإعلام العربي، واللبناني تحديداً.
الرهان اليوم ليس فقط على مدى حرية الكلمة، بل على مدى وعي من يقول الكلمة.
فإما أن نختار إعلاماً يبني وعياً، يُداوي جراح الشعوب، ويقرّب بين الفئات،
وإما أن نترك منابرنا لمن يزرع السمّ، ويقسم المجتمع، ويحرض على العنف.
والسؤال لكل إعلامي أمام قلمه أو ميكروفونه:
هل ستختار أن تكون أداة هدم أم صوت ضمير؟





