يحيى دبوق - الأخبار
دخل إعلان وقف إطلاق النار الكامل، بين إسرائيل (بإسناد أميركي مباشر) وإيران، حيّز التنفيذ،
لكن من دون إجابات واضحة على أسئلة مستقبلية ترتبط بنتائج الحرب وبما سيليها، وإنْ كان أكيداً أنّ الأطراف كلّها، كما المنطقة، لم تَعُد كما كانت عليه قبل الـ13 من حزيران الحالي.
فالحرب التي بدأت بضربات إسرائيلية، وبتسهيل ودعم أميركيَّين واستهدفت المنشآت النووية الإيرانية ومراكز الثقل الإستراتيجية في الجمهورية الإسلامية،
تلتها ردود فعل صاروخية إيرانية استهدفت الأراضي المحتلّة ومراكز قوّة إسرائيلية أيضاً؛ ثم تدخّلت الولايات المتحدة بشكل مباشر لإنجاز ما عجزت عنه إسرائيل،
فاستهدفت منشأة «فوردو» المحصّنة، ما دفع إيران إلى الردّ باستهداف قاعدة «العديد» الأميركية في قطر. وبهذا التصعيد الأخير، انتهت عمليّاً الحرب الإسرائيلية - الأميركية على إيران،
تاركةً المنطقة والعالم أمام أسئلة صعبة، لن تتّضح إجاباتها قريباً.
ولعلّ السؤال الأبرز الآن، هو: هل انتهت المواجهة فعليّاً، أم أنّ الهدوء الحالي لا يعكس سوى هدنة مؤقّتة قبل إعادة رسم التوجّهات الجديدة للطرفَين؟
فرغم إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن وقف شامل لإطلاق النار، فإنّ طبيعة الصراع والغياب التام للمحادثات المباشرة أو الضمانات الدولية،
يجعلان الاتفاق هشّاً، وإنْ كان من المرجّح أن يصمد لمدّة منظورة.
هكذا، ورغم أنّ أيّاً من الطرفَين لم يحقّق أهدافه السياسية النهائية، وأنه لا توجد آليات تنفيذ أو رقابة دولية على البنود،
فإنّ ثمّة مؤشرات على أنّ وقف إطلاق النار قد يصمد،
ولو جزئيّاً، نظراً إلى رغبة الأطراف في استعادة بعض الزخم السياسي والعسكري، والتوجّه إلى ترتيب البيت الداخلي والبدء بالاستعداد لمواجهة تحدّيات ما بعد الحرب. وعلى ذلك،
يمكن اعتبار المرحلة هذه، مدّة «استراحة إستراتيجية»، تُستخدم لإعادة التقييم وتحديد الخطوات المقبلة.
ومن بين الأسئلة التي تعيق بناء سردية انتصار إسرائيلي واضح، تبرز المعضلة الآتية، والمتمثّلة في أنه لا يمكن لإسرائيل والولايات المتحدة ضمان عدم استمرار البرنامج النووي الإيراني. فالضربات الجوية، الإسرائيلية والأميركية،
وإنْ كانت أحدثت ضرراً كبيراً في المنشآت الحيوية الإيرانية، من مثل «نطنز» و«فوردو»، لكنها لم تُنهِ برنامج إيران النووي.
ومع ذلك،
تتيح الهجمات لإسرائيل ادّعاء انتصار «بالنقاط»:
- تمّ تعطيل عمليات التخصيب لمدّة معتَبرة؛
- دُمّرت معدّات متقدّمة ومستودعات تخزين وغيرها ممّا يرتبط بالبرنامج النووي؛
- شُنَّت ضربات استباقية استهدفت جزءاً من البنية الصاروخية الإيرانية.
- وأهمّ من ذلك، كَسرت إسرائيل الحاجز النفسي الذي ما دام ارتبط بتقديس حصانة إيران من الهجمات الواسعة النطاق.
ومع ذلك،
ليست ثمّة ضمانات إسرائيلية أو أميركية بأنّ إيران لن تعيد ترميم قدراتها، وبمستوى يتجاوز ما كانت عليه في السابق،
الأمر الذي يحتّم على إسرائيل أن تزيد من درجة استعدادها وجهوزيتها ويقظتها أثناء مدّة الانتظار والهدوء المؤقّت، آملةً في أن تكون الرسالة واضحة في الوعي الإيراني: أيّ تقدُّم نووي عسكري سيكون مصحوباً بردّ فعل سريع ومباشر.
ولعلّ من بين الأسئلة الملحّة، ما إذا كانت الحرب ستدفع إيران نحو القنبلة النووية؛ علماً أنّ هكذا قرار لن يكون سريعاً أو مباشراً، رغم وجود تكهّنات تشير إلى خلاف ذلك.
لكنّ الأكيد أنّ عواملَ داخلية وأخرى خارجية تحدّ من هكذا خيارات متطرّفة، لا سيّما في المدى المنظور،
ومنها:
- ضرورة التركيز على إعادة ترتيب الأولويات الدفاعية والتحصينية بناءً على الدروس المستفادة من الحرب؛
- ضرورة العمل سريعاً على رفع سقوف أثمان أيّ مواجهة مقبلة،
قد يلجأ إليها أعداء إيران مستقبلاً، علماً أنّ الحرب زادت من تصميم طهران على تسريع البحث والتطوير النوويَّين، والحفاظ على هذا الخيار حيّاً وفاعلاً، تمهيداً لقرارات قد تُتّخذ لاحقاً؛
- إيران معنية الآن بإثبات أنّ الحرب لم تنهِ برنامجها النووي أيضاً،
بما يتضمّن مجال التخصيب العالي، وإنْ لم تكن معنية بالهرولة نحو السلاح النووي نفسه.
في المقابل،
يثار سؤال حول ما إذا كانت إسرائيل والولايات المتحدة قد حقّقتا أهدافهما الإستراتيجية؟
الجواب: لا مرجّحة؛ ذلك أنّ النجاح كان جزئيّاً، وليس كاملاً، وقد يكون عرضة للتبدُّد وفقاً لِما سيتبلور في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، وهو ما ستسعى إليه طهران.
ولكنهما حقّقتا نتائج مهمّة ونجاحات معتدّاً بها، من بينها:
كسْر حاجز الخوف والخشية من ردود الفعل والتداعيات في حال استهداف إيران بمستويات عالية وشاملة؛
تعطيل البرنامج النووي الإيراني، وإنْ جزئيّاً، وربّما لسنوات، وفق ما تشير إليه تقديرات إسرائيلية متفائلة.
تقليص التهديد الصاروخي عبر ضربات وقائية استهدفت منشآت ومنصات إطلاق ومستودعات، رغم أنّ إعادة الترميم قد تكون أسهل وأسرع هنا، مقارنة بالترميم النووي.
لكن إسرائيل وواشنطن عجزتا عن:
- إضعاف مراكز الثقل في النظام الإيراني، وخاصة «الحرس الثوري»،
الذي أثبت منعته وقدرته على تجاوز الضرر الشديد الذي لحق به؛
إحداث شرخ داخلي في النظام الإيراني، غم قسوة الضربات؛
فرض تنازلات سياسية على إيران، وهو عنصر العجز الأكثر تأثيراً في المرحلة المقبلة.
لذلك، وبينما تستطيع إسرائيل بلورة سرديّتها الخاصة للحرب، فهي تبدو عاجزة عن الادّعاء أنها وجدت حلّاً مستداماً للتهديد الإيراني، فيما لا يمكنها الإنكار، أنّ الانجاز المحدود يظلّ عرضة للسقوط.
ومن بين الأسئلة التي تفرض نفسها أيضاً، سؤال «قواعد الاشتباك» الجديدة، التي قد تتشكّل بعد هذه الحرب؛ وإذا كانت الإجابة على ذلك معقّدة نظراً إلى غياب اتفاق رسمي يحدّد نتائج والتزامات واضحة،
فإنّ ما تحقَّق، حتى الآن، يشير إلى بروز معادلات غير مكتوبة، قد يكون من أبرزها أنه لا يمكن استهداف إيران مباشرةً من دون تلقّي ردّ قوي ومؤلم،
وهو ما سيكون حاضراً في أيّ مقاربة أو تخطيط متطرّف، إسرائيلي و/ أو أميركي، على إيران، وبما قد يشمل أيضاً استهدافات أمنيّة غير مباشرة.
وربّما تكون النتيجة المتقدّمة هي الأهمّ في تحديد ملامح العلاقة بين الأطراف في السنوات المقبلة،
إذ يتّجه كل طرف إلى ترميم قدراته وهندستها بما يتناسب مع دروس الحرب، وتحدّيات المستقبل المشبع بالتهديدات. أمّا السؤال الذي يشغل البعض،
وهو ما إذا كانت إيران ستخرج ضعيفة بعد هذه الحرب؟ فالجواب، بلا تردّد: لا كبيرة. فرغم الضرر المادي،
قد تكون إيران أقوى من ذي قبل، ليس من حيث المنعة والقدرة فقط، بل في ما يتعلّق بفشل رهانات الأعداء على انقلاب داخلي فيها أيضاً.
والأكيد أنّ الجمهورية الإسلامية ستسعى لتعزيز هذه المنعة ماديّاً، بما يشمل التركيز على إعادة بناء منشآتها بطريقة أكثر تحصيناً وأماناً،
وستخرج من الحرب أكثر حذراً، لكن أكثر تحصّناً وتصميماً أيضاً على مواصلة مسارها النووي والتسليحي والدفاعي، الذي أثبت أنه يجبي من الأعداء ثمناً باهظاً، ويمنع تماديهم في رفع سقوف أهدافهم.
في النهاية، مَن انتصر؟ كل طرف سيكتب سرديّته الخاصة، بما يشمل الولايات المتحدة التي ستركّز على «عظمتها» و«اقتدارها» في منطقة كان يُظَنّ أنها ثانوية بالنسبة إليها، وستحرص على القول «إننا أوقفنا إيران عند حدّها، وحمينا حلفاءنا، وأثبتنا أنّ أميركا لا تزال قوة رادعة».
لكن ما بعد وقف إطلاق النار، ليس نهاية الحرب، بل بداية مرحلة جديدة من التحدّيات الإستراتيجية التي سيعكف كل طرف على تعزيز موقعه فيها، دفاعاً وهجوماً، بناءً على دروس القتال وعِبره.
وهنا، قد يُستخدم الهدوء الحالي من قِبَل الأطراف جميعاً كفرصة لتعزيز المواقع، والتحضير لمواجهة محتملة مقبلة، وإنْ كان توقيت تلك المواجهة ومداها، غير مؤكدَين.


