منجد شريف
منذ أواخر 2019، واللبنانيون يعيشون على حافة الانفجار الاقتصادي والإنساني. لكن وسط هذا الانهيار الشامل، هناك مأساة لا تزال في الظل: مأساة المودعين الذين ادّخروا أموالهم بالليرة اللبنانية، ووجدوا أنفسهم اليوم وقد خسروها بالكامل، بفعل سياسات جائرة ومقاصة مصرفية لا تمتّ للعدالة بصلة.
في مشهد شبه سريالي، يُعامل المودع بالليرة وكأنه “مرتكب خطأ”، بينما الحقيقة أنه ضحّية مرتين: مرة لأنه آمن بالعملة الوطنية، ومرة لأنه لم يحصل على أي إنصاف، بل تُحسب أمواله وكأنها “أوهام رقمية” لا قيمة لها.
كان الخطاب الرسمي والمصرفي لسنوات يشجّع المواطنين على الإيداع بالليرة، بل كان يُقدّم على أنه فعل وطني. كثيرون استجابوا، بدافع الثقة والانتماء، فوضعوا مدخراتهم بالعملة المحلية، بدلاً من تحويلها إلى دولار أو إخراجها من البلاد.
لكن بعد الانهيار، لم تُقرّ الدولة بمظلومية هؤلاء. بل قسّمت المودعين إلى درجات: من يملك دولارًا طازجًا (Fresh)، ومن يملك “لولار”، ومن تبقّى له بعض الليرات التي تُحتسب اليوم بسعر صرف أقلّ حتى من سعر السوق، ويتم اقتطاعها بقساوة في كل عملية تحويل أو مقاصة.
كل 200 ألف ليرة تُحتسب اليوم على أنها دولاران فقط و تقتطعها المقاصة على أنها خدمة حساب من الحسابات بالليرة اللبنانية،فهي تقتطع فعلياً ١٣٣ دولاً على سعر صرف ال ١٥٠٠ ليرة لبنانية، أي أن من أودع 100 مليون ليرة (وكانت تعادل 66,000 دولار في حينه)، يخسر أكثر من 98٪ من قيمة أمواله،فتصبح ال١٠٠ مليون 1,123.6$ و بالتالي بعد أربع سنوات يتجفف الحساب و يصبح المودع مدين بخدمة الحساب.
الحلّ ممكن… وعادل وإنساني
لكن، ورغم كل هذا الظلم، لا يزال بالإمكان إنقاذ ما تبقّى من الثقة، عبر حلول منطقية ومتدرّجة تُعيد شيئًا من الحق، وتمنع انفجارًا اجتماعياً وشيكاً.
و أبرز مقترحات الحل للمودعين بالليرة:
١. إعادة تقييم الودائع بالليرة وفق معيار “متوسط سعر الصرف المرجّح”
•سعر صرف تعويضي خاص يُحتسب على متوسط سعر صرف السوق بين 2019 و2023.
•كل 200 ألف ليرة تُعاد تقييمها بما يعادل 5 إلى 6 دولارات، بدلًا من دولارين.
•استعادة جزئية عادلة لا تقل عن 25 إلى 30% من القيمة الأصلية.
٢. إصدار سندات تعويض خاصة بالمودعين بالليرة
•سندات تعويض مقوّمة بالليرة أو بالدولار القابل للتحويل.
•فائدة تصاعدية مضمونة من الدولة، تُصرف تدريجياً.
٣. حماية المودعين الصغار والمتقاعدين
•تعويض نقدي فوري للودائع تحت 100 مليون ل.ل.
•خطة تعويض جزئي نقدي مع سندات للشرائح الأعلى.
•آلية شفافة تأخذ في الاعتبار الظروف الإنسانية والاجتماعية.
٤. تحميل المصارف جزءاً من الخسائر
•اقتطاع نسبة من أرباح المصارف السابقة.
•إلزام البنوك بالمساهمة في صندوق التعويض الوطني.
•وقف سياسات الإفلات من المسؤولية
٥. إنشاء صندوق وطني للتعويض
•يُموّل من أصول الدولة غير المشغّلة وعائدات الجمارك والمرافئ.
•يديره فريق مستقل تحت إشراف قضائي وشفافية مطلقة.
•يُعتبر حقًّا لا منّة.
٦. حماية الودائع المستقبلية
•قانون يُجبر الدولة والمصارف على تغطية أي خسارة مستقبلية للودائع بالليرة.
•يُعطي للمودع خيار التحويل إلى الدولار بسعر رسمي واضح، عند الحاجة.
لا اقتصاد بلا عدالة ،السكوت عن هذه الجريمة المالية هو اشتراك فيها. ما حصل للمودعين بالليرة ليس “تدهورًا عاديًا”، بل سرقة موصوفة غُلفت بسياسات نقدية تعسفية.
المطلوب تصحيح المسار عبر خطوات عملية: اعتراف، تعويض، ومحاسبة. لا يجوز بناء خطة نهوض من جيوب من دعموا العملة، فيما يُكافأ المضاربون والناهبون.
ما تبقّى من كرامة وطنية لا يحتمل مزيدًا من الإنكار.فإما أن تتحرّك الدولة لإنصاف الناس، أو تفقد ما تبقّى لها من دور و أهمية على صعيد الوطن و المواطن.
منجد شريف
كاتب وباحث سياسي
وناشط في الشأن الاقتصادي
بيروت ٢٧ حزيران 2025





