هادي حسين شكر
تسلّم المبعوث الأميركي توم باراك الرد اللبناني الرسمي على الورقة الأميركية المتعلّقة بالتوترات العسكرية القائمة في لبنان ، وهو ردّ اتّسم بالحنكة والذكاء والصلابة، حيث بدا أن لبنان قرأ الرساله بوضوح، لكنه قرّر أن يكتب جوابه بلغة السيادة الوطنية، لا بلغة الضغوط والتهويل.
في الشكل، حرص لبنان على تقديم موقفه بشكل موحّد، عبر المؤسسات الدستورية، وبالتنسيق الكامل بين الرؤساء الثلاثة.
أما في المضمون، فقد جاء الرد متماسكاً، يرفض أي محاولة لفرض معادلات أمنية جديدة على حساب الحقوق اللبنانية أو كسر إرادة المقاومة. فلبنان، وإن كان يدرك حجم التهديدات المحيطة، إلا أنه لم يُظهر أي علامة خضوع أو تراجع أمام الإملاءات، بل قدم جواباً موزوناً يُراعي التوازنات الدقيقة، ويكرّس في الوقت نفسه خطوطه الحمراء.
الرد لم يكن سلبي، لكنه قطع الطريق على محاولات فرض "سلام مع إسرائيل" أو تسويات قائمة على منطق الترهيب. وفي المقابل، جاء باراك، الذي فُرضت عليه مهمّة صعبة، محمّلاً برسائل ضغط. لكنه غادر بانطباعات مختلفة، أقلّ تشنّجاً مما كان متوقعاً، ما أوحى لبعض المراقبين بأن واشنطن بدأت تدرك أن ما يمكن تحقيقه في لبنان ليس بالإملاءات، بل بالاستماع الحقيقي إلى ما يريده هذا البلد الصغير حجماً، الكبير موقفاً.
وفي الكواليس، تسري أجواء توحي بأن بعض الأفرقاء في الداخل، كما في الخارج، كانوا يراهنون على أن يحمل باراك معه تهديداً علنياً لفريق المقاومة، أو شروطاً قاسية لإعادته إلى طاولة التفاهمات من موقع الضعف. إلا أن أجوبة باراك بدت مخيّبة لهؤلاء. فالواضح أن الرسالة الأميركية لم تصل كما كانوا يأملون، وأن الرد اللبناني، على عكس التوقعات، كان صلباً وواقعياً في آن، ما بدّد رهانات البعض على انقسامات داخلية أو تمايز في القرار اللبناني.
وصف المشهد وكأن الطائرات الحربية الإسرائيلية كانت تحوم في الأجواء اللبنانية، تنتظر زموراً من باراك، أو حتى تعبيراً عبوساً من وجهه، لتبدأ التصعيد. لكن حسابات الأرض لا تشبه رغبات الطائرات. فالرد اللبناني لم يمنح الضوء الأخضر لأي تصعيد، بل أوصل رسالة واضحة، لا يمكن التفاوض تحت الضغط، ولا يُبنى استقرار بجناحٍ واحد.
كان دور رئيس مجلس النواب نبيه بري مهم جداً حيث لعب دوراً محورياً في صياغة هذا الرد، وحماية وحدة الموقف الوطني. وقد وصف باراك لقاءه مع الرئيس بري بالقول: "عندما نتعامل مع محترف، تصبح الأمور أسهل"، في إشارة واضحة إلى الدور السياسي العميق الذي أدّاه بري، كعرّاب للتوازنات الداخلية، وحارسٍ أمين على خطّ التواصل بين الداخل والخارج.
حنكة الرئيس بري ليست وليدة اليوم. فهي ثمرة سنوات من إدارة الأزمات، والمناورة السياسية الدقيقة، وقراءة المشهدين الإقليمي والدولي بعين الخبير. وفي هذه المرحلة، بدا واضحاً أن التنسيق بين الرؤساء الثلاثة أجهض مسبقاً أي محاولة لتفكيك الموقف الرسمي، أو الإيحاء بوجود تصدّع داخلي يمكن استغلاله.
وبالرغم من هذا التماسك، لا يمكن القول إن سيناريوهات التصعيد قد انتهت. فالمنطقة بأكملها تقف على صفيح ساخن، والتطورات الميدانية في الجنوب تفرض حالة من الترقّب. لكن، ما هو مؤكّد، أن لبنان لم يعد ذاك البلد الذي يواجه الأزمات بـ"البيانات الإنشائية"، بل بات اليوم في موقع من يفاوض بنديّة، ويقف بثقة، ويقرأ كل سطر قبل التوقيع.
باختصار، لم يسلّم لبنان مفاتيحه السياسية ولا أوراقه الأمنية. بل قال كلمته بهدوء وثبات، وأثبت أن السيادة ليست شعاراً، بل ممارسة.





