*حين تمشي في بيروت… تتعثّر بالكرامة المهدورة*

عاجل

الفئة

shadow
*حين تمشي في بيروت… تتعثّر بالكرامة المهدورة*

*منجد شريف*

في ساعات الصباح الأولى، حين أمارس رياضة المشي السريع، متنقّلًا بين منارة بيروت وسباق الخيل والبيال، لا يكون المشهد جماليًا كما تروّج له الإعلانات. فالرصيف لم يعد فقط مساحة للمرور، بل أصبح مأوى مؤقتًا لوجوه نائمة على الأرصفة، متّكئة على أغطية مهترئة، تفترش الأرض وتلتحف الغبار والسواد المنبعث من عوادم السيارات.
مشهدٌ يتكرّر، يتفاقم، ويقرع ناقوس الخطر أمام تزايد ظاهرة التشرّد في لبنان، وكأننا في بلادٍ فُكّ فيها قيد الدولة، وتوارى صوت المؤسسات، وتيبّست أذرع المسؤولية.

سؤالٌ داهمني بمرارة: هل لهؤلاء المشردين أهل؟ أقارب؟ أصدقاء؟ مجتمع؟ وإن لم يكن لهم أحد، فأين الدولة؟ أين الوزارات؟ أين البلديات؟ أين الجمعيات والمنظمات التي ترفع شعارات الكرامة والعدالة الاجتماعية؟ وهل يُعقل أن نكون قد بلغنا حدّ التعايش مع هذا المشهد وكأنه طبيعي، فيما هو في جوهره جريمة موصوفة بحق الكرامة الإنسانية؟

بعض الدول لم تنتظر حتى يصبح الإنسان ركامًا على قارعة الطريق، بل ابتكرت حلولًا تحترم إنسانيته، منها فنلندا التي اعتمدت سياسة “البيت أولًا” ومنحت كل مشرد منزلًا قبل أي تدخل آخر، مما خفّض نسب التشرد إلى حدودها الدنيا. وفي هولندا، توفَّر مساكن متنقلة وخدمات تأهيل نفسي وصحي واجتماعي داخل بيئة آمنة. أما البرتغال فدمجت المشردين ضمن خطط وطنية عبر توفير فرص عمل تدريجية، بينما خفّضت ولاية يوتا الأميركية نسبة التشرد المزمن عبر برامج إسكان مستدامة بتمويل مشترك بين الدولة والقطاع الخاص. وفي كندا، استُحدثت “الملاجئ الإنسانية” التي ترافق المسكن بخدمة اجتماعية شاملة.

رغم الأزمات المتتالية، لا تزال هناك إمكانية لمعالجة التشرد في لبنان ضمن خطط مستدامة واقعية. من الضروري إطلاق خطة وطنية عاجلة تشمل إحصاءً موثقًا للمشردين وتصنيف حالاتهم، وتخصيص وحدات سكنية مؤقتة ضمن أبنية غير مستخدمة أو إعادة تأهيل مشاغل مهجورة. كما يمكن إنشاء “القرية الاجتماعية” في كل محافظة، تحتوي على مبيت آمن وعيادة طبية ومركز تدريب مهني. من المهم أيضًا إدماج الجمعيات في الشراكة التنفيذية، وتفعيل التعاون مع المنظمات الأممية. وعلى البلديات أن تتحمل جزءًا من المسؤولية من خلال تأسيس مراكز إيواء صغيرة بالتعاون مع السكان. أما على المستوى القانوني، فيجب ملاحقة الجهات العامة والخاصة التي تسهم في التشريد بسبب الإهمال أو الطرد التعسفي.

ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل كل فرد يحمل حسًّا إنسانيًا عليه دور. من الواجب ألا نطبع مع الظاهرة، وألا نمرّ بجانبها مرور الكرام. يمكننا أن نبدأ بمبادرات بسيطة كوجبة طعام، أو غطاء، أو حتى توجيه الشخص المحتاج إلى جهة متخصصة. كما أن المشاركة في العمل التطوعي والمطالبة بحقوق هؤلاء باسم الإنسانية لا تقلّ أهمية عن أي عمل وطني آخر.

حين يصبح الجسد الملقى على رصيف المدينة مرآةً لصمتنا، تصبح الرياضة تمرينًا على الحزن. وحين يمرّ طفلٌ بجانب مشرد، ويسأل: “لماذا ينام هنا؟”، ولا نجد جوابًا، نكون قد خسرنا آخر خيوط التربية الاجتماعية. إنها ليست مشكلة تشرد، بل مشكلة وطن ضاعت فيه الكرامة قبل المسكن.

الناشر

هدى الجمال
هدى الجمال

shadow

أخبار ذات صلة