* " لأننا لا نُشفى من طفولتنا … *" بقلم المحامي انطونيو الهاشم نقيب المحامين سابقاً*

عاجل

الفئة

shadow

نظنّ، حين نكبر، أن الطفولة مرحلة نطويها كصفحة من كتاب العمر، نرميها في درج الذكريات ونمضي.
لكن الحقيقة أن الطفولة لا تتركنا.
نحن لا نُشفى منها، بل نحملها معنا كظلّ خفيّ، كوشمٍ لا يُرى، كندبة داخلية لا تلتئم.
في كلّ مرة نبكي بلا سببٍ واضح،
يكون الطفل فينا قد عاد يطلب تفسيراً لما لم يُفهم يوماً.
ثمة لحظة بعيدة… 
تغيّر فيها كلّ شيء،
لحظة سمعنا فيها الصمت بدل الجواب،أو رأينا بابًا يُقفل ولم يُفتح بعدها.
منذ تلك اللحظة، بتنا نعيش ونحن نعالج هذا الجرح،كي لا يصرخ في لحظة غير مناسبة.
أحنّ إلى صوتٍ لم أعد أذكره…
إلى يدٍ مرّت فوق رأسي ثم اختفت.
ذلك الحنان النادر،
صار ندباً لا يراه أحد،
لكنه يتحكم بطريقة نظرتي إلى العالم.
نُصبح ناجحين، محبوبين، صانعي قرار…
لكننا نرتجف في أعماقنا،
من كلمة، من نظرة، 
من رفض صغير
يعيدنا فجأة إلى زاويةٍ باردةٍ
جلسنا فيها نبكي وحدنا.
لا أحد يهرب من طفولته…
نحن فقط نتعلّم أن نلبس ثياب الكبار،
ونخفي الطفل الجالس على أعتاب القلب،يعبث بخوفه ويخفي وحدته.
في داخل كلّ رجلٍ قاسٍ،
ولدٌ بكى كثيراً ولم يشعر به احد.
وفي قلب كلّ امرأةٍ باردة،
طفلةٌ خبأت دفاترها خوفاً من السخرية.
وحين نصبح آباء وأمهات،
نكتشف أن الأمر لم ينتهِ بعد…
فنحن لا نربّي أبناءنا فقط،
بل نربّي الطفل فينا من جديد:
نمنحهم ما حُرموا منه،
أو نُعيد خيباتهم بصمتٍ غافل،
كأننا نُسلمهم إرثًا لم يطلبوه.
الطفولة ليست مرحلة عابرة…
إنها الوطن الأوّل،
من فَقَدَهُ، عاش لاجئًا في كل الأمكنة.
وأشدّ لحظات الوحدة،
هي تلك التي نشعر فيها أن لا أحد
يفهم الطفل الذي يسكننا،
وأننا لم ننجُ منه كما كنا نظن.
نظن أننا نجونا،
لكننا فقط أجدنا الاختباء.
نعم، نحن لا نُشفى من طفولتنا…
لكن يمكننا أن نصغي لها،
أن نُمسك بيدها المرتجفة،
وأن نهمس لها من قلب العمر:
أنا هنا الآن… بفضلك.
انطونيو الهاشم 
نقيب المحامين سابقاً 
٢٠٢٥

الناشر

علي نعمة
علي نعمة

shadow

أخبار ذات صلة