*حمزة الحاج حسن*
شكلت حركات المقاومة في لبنان تحدياً للمشروع “الإسرائيلي” العدواني منذ سبعينيات القرن الماضي، كانت الكلمة مقاومة ثم الزيت المغلي فالسيارات المفخخة والعمليات الاستشهادية وصولاً الى المُسيّرات والصواريخ الدقيقة والفرط صوتية/ في كلّ مراحلها كانت المقاومة عملاً وطنياً نقياً خارج أيّ اصطفاف طائفي او فئوي، حيث انخرطت فيها الأحزاب والقوى الوطنية والقومية والعلمانية والإسلامية/ تقدّم الشهداء طليعة المدافعين عن لبنان ومعهم في خط الدفاع الثاني اللبنانيين على مختلف مشاربهم وعلى مساحة الـ 10452 كلم.
تشكلت المقاومة من طلاب المدارس والجامعات والفلاحين والأساتذة والعلماء، من النساء والرجال حملوا دماءهم وشدّوا رحالهم الى الجنوب دفاعاً عن لبنان/ منذ التسعينيات، وبعد اتفاق الطائف وانتهاء الحرب الأهلية أخذت مواجهة الاحتلال الإسرائيلي شكلاً جديداً فكان حزب الله ركيزة هذه المواجهة، ومنذ ذلك التاريخ راكمت المقاومة انتصارات تكتيكية حققت الانتصار الاستراتيجي في العام 2000 بأبعاده العسكرية والأمنية والسياسية، والذي كان ثمرة تضحيات مشتركة بين الشعب والجيش والمقاومة،
ثلاثية قوة لبنان أعادت الاستقرار الى البلد وشكلت سنوات ما بعد التحرير استقراراً وازدهاراً كانت آمال اللبنانيين الانتقال من النظام الطائفي الى دولة المواطنة القوية بمؤسساتها التي نص عليها الدستور الجديد (الطائف) لتحقق العدالة والمساواة بين اللبنانيين كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات. لم تترك “إسرائيل” فرصة لضرب النموذج اللبناني إلا وفعلتها وفي كلّ المراحل كان الهدف ضرب المقاومة كنموذج ملهم للشعوب وتجربة استقلالية تحررية في منطقة تتميّز بموقعها الجيوسياسي وثرواتها الطبيعية.
لم تكن معركة السابع من اكتوبر الفلسطينية عابرة في تاريخ الكيان الإسرائيلي الذي اهتزت ثقة مستوطنيه بالأمن والتفوق العسكري، فما بنته الحركة الصهيونية منذ العشريات من أمن ومزاعم عن أرض مقدّسة لجلب اليهود لاحتلال فلسطيني أصيب في مقتل في طوفان الأقصى. الشعور بالتهديد الوجودي كما قال حكام تل أبيب انسحب على حماة هذا الكيان وفي مقدّمهم الولايات المتحدة والغرب الأطلسي الذي خاض المعركة من غزة الى الضفة ولبنان وسورية واليمن وإيران، لكن لبنان كان رافعة المقاومة ومحورها، حيث قدّم حزب الله القادة ونخبة المقاومين شهداء لكنه لم ينكسر، وتشهد على ذلك المواجهة التي خاضها المقاومون عند القرى الحدودية على مدى 66 يوماً دون ان تحقق “إسرائيل” أهدافها العسكرية، وما لم تحققه تل أبيب في الحرب سعت الى أخذه بعد اتفاق وقف إطلاق النار في 27 من تشرين الثاني 2024، فاحتلت عدداً من النقاط في الجنوب ونسفت قرار مجلس الأمن 1701 بخروقات تجاوزت الآلاف واغتيالات طالت مئات الشهداء. كلّ ذلك المجتمع الدولي بمؤسساته الحية والميتة في عجز وصمت، بينما التزم لبنان بالاتفاق والقرارات الدولية فازدات “إسرائيل” قتلاً وتدميراً وانتهاكات. سقطت المقاومة الدبلوماسية أمام العدوان الإسرائيلي المدعوم أميركياً وغربياً واكتفت السلطة بالتنديد وإحصاء الشهداء والمنازل المدمّرة. وحدهم أهل المقاومة لم يتزحزحوا عن خيارهم بالدفاع عن وطنهم من أجل العيش بكرامة.
لقد أخفقت السلطة باستعادة ثقة اللبنانيين عندما عجزت عن حمايتهم والدفاع عن سيادة بلدهم، وعلى الرغم من ذلك يتغاضى بعض اللبنانيين عن التدخلات الخارجية بدوافع فئوية وأحقاد طائفية، وبدل ان يكون الموقف موحداً في مواجهة العدوان كان الطلب بنزع سلاح المقاومة في وقت يواصل نتنياهو حرب الإبادة والتجويع في غزة ولا يتوقف عن استهداف القرى اللبنانية من جنوبها الى بقاعها، وأمام هذا التهديد الوجودي للبنان هل يملك حزب الله قرار تسليم السلاح؟
المقاومة التي أخرجب “إسرائيل” من بيروت في الثمانينات وانتصرت في 2000 لا يملك حزب الله قرار تسليم سلاحها لأنّ المقاومة هي ملك اللبنانيين الذين دافعوا وآمنوا بها فحققت التحرير وأعادت اللحمة الوطنية ورفعت من شأن لبنان وعطلت مشاريع “إسرائيل” التوسيعة وهدمت أطماعها في ثروات لبنان وتاريخه ودوره الريادي في هذا الشرق،
لا يملك الحزب قرار تسليم السلاح في ظلّ هذا التهديد الغير مسبوق للبنان الدولة والصيغة والتنوّع لأن هكذا قرار لو اتخذ هو خيانة للشهداء ولتضحيات جميع اللبنانيين الذين أرادوا وطناً نهائياً لجميع أبنائه قائم على العدالة والمساواة، لا يحق لحزب الله تسليم السلاح ولو أراد ذلك افتراضياً يكون قد تخلى عن واجبه بالدفاع عن الوطن وهو حق وواجب كرّسه الدستور اللبناني والشرائع والقانون الدولي لكلّ مواطن لبناني.
لا يملك حزب الله قرار تسليم السلاح في وقت تحيط بلبنان تهديدات بهذا الحجم ولا تزال الدولة عاجزة وغير قادرة على حماية مواطنيها والدفاع عن شعبها وتحرير أرضها،
انّ قوة لبنان اليوم ليست في الخضوع بل بوحدة الموقف انطلاقاً من مصلحة الوطن والشعب وليس تنفيذاً لمطالب العدو وأجنداته، وحتى كتابة هذه الكلمات لا تزال الأسباب التي دفعت اللبنانيين الى مقاومة الاحتلال قائمة فلا الدولة تقوم بمسؤولياتها ولا يزال العدو “الإسرائيلي” يمثل التهديد الوجودي للبنان الذي لا يُردع بالأمنيات وخداع الطامعين الغزاة…



