كتب الصحافي هادي حسين شكر في صحيفة البناء منذ اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني الماضي، لم تتوقف «إسرائيل» عن استهداف لبنان وأبنائه، بل تحوّل الأمر إلى مشهد شبه يومي في الجنوب والبقاع، في وضح النهار وتحت جنح الليل. طائراتها المُسيّرة وصواريخها تلاحق المقاومين، ودماء الشهداء تسيل على الأرض التي أقسَموا الدفاع عنها. وفي خضمّ هذا العدوان المستمرّ، نكشف مرة أخرى أنّ العدو لا يعترف بمواثيق أو اتفاقات، وأنّ يده لا تتوقف عن القتل حتى في زمن الهدنة، وهي رسالة واضحه لمن يتحدثون عن ضمانات بوقف الاعتداءات بحال تم سحب السلاح.
لكن، الأخطر من القصف والصواريخ، هو ذلك الصوت الداخلي في لبنان، الآتي من أروقة بعض المسؤولين والساسة، الذين يتعاملون مع الخبر وكأنه أمرٌ «بديهي» و»طبيعي»، وكأنّ «إسرائيل» تمارس حقاً مشروعاً! هؤلاء لم يكتفوا بالصمت، بل ذهبوا أبعد، فصاغوا المبرّرات، وابتكروا الذرائع، وأعطوا الغاصب صكّ براءة من دماء أبناء الوطن. أيُّ عارٍ هذا الذي نعيشه، حين تصبح الخيانة وجهة نظر، والتبرير غطاءً للقتل؟
والمفارقة المروّعة، أنّ المنطق الضمني عند هؤلاء يقول، إذا كان هؤلاء الشبان مقاومين، فهذا مبرّر كافٍ لقتلهم! وكأنّ الدفاع عن الأرض والكرامة أصبح جريمة، وكأنّ دماء المقاوم تُستباح فقط لأنه وقف بوجه المحتلّ.
هنا يبرز السؤال الكبير، من هي هذه المقاومة التي يتحدثون عنها وكأنها تنظيم إرهابي؟ أهي جماعة وُلدت من عبث، أم أنها منذ نشأتها وُجدت لتدافع عن لبنان، لتحمي شرفه وكرامته، ولتحرّر أرضه المحتلة؟ أليس تاريخها يشهد بأنها كانت السدّ المنيع في وجه الاجتياحات، وأنها من قدّمت الشهداء كي يبقى هذا الوطن على الخريطة؟
إنّ من يحاول اليوم قلب الحقائق، وتجريم المقاومة، يتعامى عن حقيقة بديهية، أنّ الاحتلال هو الجريمة الأصلية، وأنّ الدفاع عن الوطن حقّ وواجب مقدّس، وأنّ كلّ رصاصة تُطلق في وجه المعتدي هي فعل مشروع تشرّعه القيم الوطنية.
«إسرائيل» لا تغتال أفراداً فقط، بل تحاول اغتيال فكرة المقاومة نفسها، وتحويل الصراع من مواجهة مع عدو خارجي إلى انقسام داخلي، حيث يتصارع أبناء الوطن حول تعريف العدو.
وهي تجد في بعض الأصوات اللبنانية للأسف أداةً مجانية لتسويق روايتها.
لكن، ليتذكّر هؤلاء، ما من احتلال دُحر بالاستجداء أو ببيانات الشجب، وما من وطن حُرّر بأحلام التسويات الموهومة. وحدها المقاومة، بشتى أشكالها، هي التي صنعت النصر في أيار 2000، وهي التي صدّت العدوان في تموز 2006، وهي التي ما زالت مستعدة للوقوف اليوم على خطوط النار دفاعاً عن كلّ بيت وقرية ومدينة في لبنان.
إنّ دماء شبّان المقاومة التي تسيل بفعل الغدر الإسرائيلي، ليست دماء فئة أو حزب أو طائفة، بل هي دماء لبنان كلّه. ومن يبرّر للقاتل، أو يساوي بين الضحية والجلاد، إنما يضع نفسه في صف الاحتلال، شاء أم أبى.
فلتكن الكلمة واضحة، المقاومة ليست خياراً عابراً، بل هي قدرٌ فرضته الجغرافيا والتاريخ على هذا البلد، وهي ليست مشروع قتل، بل مشروع حياة بكرامة. وأولئك الذين يتحدثون عن «الحياد» أو «النأي بالنفس» أمام رصاص الاحتلال، إنما يمارسون حياداً عن الوطنية نفسها.
فالتاريخ لا يرحم، والدم لا يُمحى بالتبريرات، ومن يضع يده في يد العدو اليوم، سيوضع اسمه غداً في سجل العار.
صحيفة البناء



