*ثـوابـت ومـرتـكـزات فـي إسـتـراتـيـجـيّـة الأمـن الـوطـنـي الـلـبـنـانـي*
صـحـيـفـة الأخـبـار
أُعدّت هذه الوثيقة عبر مبادرة مستقلّة كإسهام في النقاش الوطني المُحتدم حول إستراتيجيّة الأمن الوطني علّها تُغني هذا النقاش في فترة مفصليّة من تاريخ لبنان.
والوثيقة هي استكمال لجهد أنتج في 29 أيّار 2025 وثيقة تحت عنوان «المقاومة المسلّحة في لبنان: ضرورة وطنيّة وقيمة إستراتيجيّة»
تـوطـئـة
في الخامس من آب 2025 أقرّ مجلس الوزراء اللبناني تكليف الجيش وضع خطّة لنزع سلاح المقاومة خارج إطار إستراتيجيّة أمن وطني.
عَكَس هذا القرار غياب حسّ المسؤوليّة الوطنيّة لِما يترتّب عليه من تداعيات خطيرة على أمن لبنان واستقراره.
وخاصّة في ظلّ استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ لبنانيّة واستمرار اعتداءاته الوحشيّة بحقّ المواطنين وأرضهم وممتلكاتهم.
أطاح القرار الحكومي بالوعود التي أطلقها رئيس الجمهوريّة جوزاف عون في خطاب القسم ورئيس الوزراء نوّاف سلام في البيان الوزاري...
حول ضرورة إقرار إستراتيجيّة أمن وطني فأشعل أزمة ثقة من الصعب ترميمها.
وأتى إعلان الحكومة اللاحق بإقرار «أهداف الورقة الأميركية» ليكشف تخلّياً فاضحاً عن سيادة القرار اللبناني...
لمصلحة إملاءات خارجيّة تسعى إلى زرع الفتنة وتحقيق ما لم يتمكن الكيان الصهيوني من تحقيقه منفرداً.
في ظلّ تقاعس الدولة عن أداء واجبها لناحية وضع إستراتيجيّة دفاعيّة متكاملة تستجيب للمخاطر التي يواجهها لبنان بدلاً من تلبية المطالب التي فرضتها الوصاية الأميركيّة.
ونظراً إلى خطورة المرحلة التي يعيشها الوطن، تبرز أهمّية الجهود الشعبيّة والوطنيّة لطرح تصوّر متكامل ومبتكر حول مرتكزات أو ثوابت إستراتيجيّة أمن وطني للبنان.
في ما يلي رؤية لتلك المرتكزات، لا للإستراتيجيّة نفسها، نطرحها أمام الرأي العام للاطّلاع والمناقشة:
تهدف إستراتيجيّات الأمن الوطني إلى تمكين الدولة من مواجهة التهديدات القائمة والاستعداد لإدارة التحدّيات التي قد تنشأ مستقبلاً.
ثم إنّ إستراتيجيّات الأمن الوطني هي الأساس لإستراتيجيّات وطنيّة فرعيّة منها، على وجه التحديد، الإستراتيجيّة الدفاعيّة.
إنّ إدراك التحدّيات والتهديدات هو مُرتكز إستراتيجيّات الأمن الوطني التي ينبغي أن تُؤطّر وتُعرّف هذه التهديدات والتحدّيات.
وتُحدّد أدوات القوّة الوطنيّة المطلوبة ومكامنها للتعامل معها ومواجهتها.
وبما أنّ الموارد محدودة دائماً، فإن إستراتيجيّة الأمن الوطني تصنّف التهديدات تِبعاً لأولويّتها، وذلك ربطاً بمدى خطورة هذه التهديدات وتأثيرها, وكذلك درجة إلحاحها وراهنيّتها. من هنا، تكون الأولويّة لمواجهة التحدّيات والمخاطر والتهديدات القائمة.
مِثال على ذلك الاحتلال الإسرائيلي القائم والاعتداءات الإسرائيليّة اليوميّة، التي تتطلّب تضافراً فوريّاً للجهود الوطنيّة لمجابهتها.
بناءً على ما تقدّم، إنّ إستراتيجيّة الأمن الوطني اللبناني هي مرجعٌ سياديٌّ شاملٌ يهدف إلى تشخيص التهديدات الداخليّة والخارجيّة التي تواجه لبنان...
ووضع تصوّر متكامل وواقعي لمواجهة تلك التهديدات بما يضمن حماية اللبنانيين وصون كراماتهم والحفاظ على سيادة لبنان على كامل أراضيه وعلى وحدته واستقراره الداخلي.
وتنطلق إستراتيجيّة الأمن الوطني اللبناني من ظروف وخصائص جغرافيّة وتاريخيّة وجيوسياسيّة وأمنيّة واقتصاديّة وثقافيّة.
ومن ذلك أن لبنان دولة صغيرة بموارد طبيعيّة محدودة ومُجاور لكيان متوحّش، ومُختَرَق من بُنى استعماريّة منذ تأسيسه...
ومُنقسِم طائفيّاً وهشّ سياسياً وفاشل إداريّاً وتُهيمن عليه شبكات من الامتيازات الماليّة والاقتصاديّة المرتبطة بمراكز رأس المال العالمي.
**🔻أولاً:** ثوابت في السيادة
- تشكّل القيم الوطنيّة الأساس الذي تُبنى عليه إستراتيجيّة الأمن الوطني وتنبع بشكل أساسي من وثيقة الوفاق الوطني والدستور اللبناني والمواثيق العالميّة التي تؤكّد سيادة الدولة واستقلالها ووحدة أراضيها وقرارها الحرّ
وعلى أنّ الشعب هو مصدر السلطات وصاحب السيادة وله الحقّ في الحياة الكريمة، وأنّ الدفاع عن الوطن حقٌّ سياديٌّ؛
وأن حقّ اللبنانيين في الدفاع المشروع عن أرضهم ومواردهم لا يُساوَم عليه لا سيّما متى كانت عُرضة للعدوان والاحتلال.
كما إنّ المساواة بين اللبنانيين تشمل الإحساس بالأمن، فأمن مواطني المناطق الحدوديّة هو بأهمّية أمن أيّ منطقة أخرى من لبنان.
تهدف إستراتيجيّة الأمن الوطني لحماية المصالح الوطنيّة المُستمدّة من هذه القِيم الوطنيّة...
وحشد عناصر القوّة الوطنيّة كلها وتضمينها في إستراتيجيّات الدولة المتفرّعة عن إستراتيجيّة الأمن الوطني.
- إنّ الدولة القويّة والمستقلّة والعادلة هي المفوّضة في العقد الاجتماعي احتكار العنف للقيام بواجب الدفاع عن الوطن والشعب.
وهو تفويض مشروط يحقّ للشعب استرداده بحال أخلّت الدولة بالتزام الدفاع.
إنّ الظروف الموضوعيّة المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي وموازين القوى التقليديّة وطبيعة النظام اللبناني دفعت إلى إقرار كل الحكومات المتعاقبة منذ اتّفاق الطائف بشرعيّة المقاومة.
وقد تضمّن اتّفاق الطائف قِسماً خاصّاً لتحرير الجنوب من الاحتلال وإزالته بطريقة شاملة...
منفصلاً عن قِسم بسط سيادة الدولة الذي تضمّن أن الدولة تقوم بذلك بشكلٍ تدريجيٍّ بواسطة قواها الذاتية.
وقد تضمن بيان اللجنة الثلاثية العليا الصادر في جدّة بتاريخ 24-10-1989 أن اللجنة «تشيد بالمقاومة البطوليّة التي يقوم بها الشعب اللبناني في الجنوب ضد الاحتلال الإسرائيلي».
وأقرّت كل الحكومات المتعاقبة منذ الطائف شرعيّة المقاومة في ظل وجود الاحتلال وقد نجحت هذه الصيغة بتحرير لبنان وردع العدوان الإسرائيلي منذ عام 2000
وحتّى حين اختلّ الردع في عام 2024 تمكّنت المقاومة من التصدّي للغزو البرّي الإسرائيلي.
كما جدّد الرؤساء الثلاثة في اجتماعهم الاستثنائي في 18 شباط 2025 «تأكيد حقّ لبنان في اعتماد كل الوسائل لانسحاب العدوّ الإسرائيلي».
- لا تقتصر السيادة الوطنيّة على احتكار العنف فقط (التفسير الويبري، نسبة لماكس فيبر) بل أيضاً على رفض التدخّل الخارجي (التفسير الويستفالي).
إنّ غياب السيادة نتيجة التدخّلات الخارجيّة هو السبب الجوهري لضعف الدولة وعجزها عن تحقيق احتكار العنف.
وبالتالي، فإن فرض السيادة الداخليّة «الويبرية» في غياب السيادة الخارجيّة «الويستفالية» لا يؤدّي إلّا إلى تقويض الدولة وتعريض شعبها للخطر
وهي نتيجة بالغة الخطورة بالنظر إلى أنّ الغاية الأساسيّة من وجود الدولة ليست الحفاظ على نفسها كغاية بحدّ ذاتها، بل حماية شعبها وخدمته.
- إضافة إلى ذلك، فإنّ فكرة الدولة البيروقراطية المحايدة والمستقلة عن مكوّناتها والمتجاوزة لها، لا تنطبق على لبنان...
الذي هو في الواقع حصيلة توازنات بين فاعلين سياسيين–طائفيين متنافسين، مع ترسّخ المقاومة اليوم داخل بنيته.
إنّ أيّ محاولات من الداخل لمواجهة هذه المقاومة تنطوي على خطر إحداث شرخ سياسي واجتماعي.
ما يجعل هذه التصوّرات المثاليّة إشكاليّة نظريّاً ومُزعزِعة للاستقرار عمليّاً.
- إنّ تكامل الجهات الحكوميّة وغير الحكوميّة في حمل المسؤوليّات الوطنيّة في الدفاع العسكري ضمن إستراتيجيّة رسميّة موحّدة تحقّق المصلحة الوطنيّة...
يمثّل في ظل الظروف القائمة الإطار الأكثر عمليّة وفعاليّة لحماية أمن لبنان وسيادته ورفاهيّة الشعب وكرامته ومصالحه.
تتناسب هذه المُقاربة مع الترتيب الناجِع الذي تكرّس على عقود بين الدولة والمقاومة وهو ينسجم مع المفهوم النظري المُسمّى «السيادة الهجينة»
والتي هي خيار مُلائم جدّاً للدول خارج مركز النظام الدولي حيث توجد خصوصيّات مرتبطة بالانكشاف أمام البُنى الاستعماريّة، ورأس حربتها في حالة لبنان هو الكيان الإسرائيلي.


