*كتب الباحث السياسي جواد سلهب* بين أزقة بعلبك القديمة وأرصفة أسواقها الشعبية، استوقفني مشهد رجلٍ يفترش الأرض بكتبٍ تقاوم ال

عاجل

الفئة

shadow
*كتب الباحث السياسي جواد سلهب*

بين أزقة بعلبك القديمة وأرصفة أسواقها الشعبية، استوقفني مشهد رجلٍ يفترش الأرض بكتبٍ تقاوم الغبار والنسيان. عناوين كثيرة مرّت أمامي سريعًا، إلى أن اصطدتني كلمة غريبة كأنها تومض من الغلاف: *"خيار شمشون" بقلم الصحفي الأميركي الاستقصائي سيمور م. هيرش*. دفعني الفضول لالتقاطه، وما إن قلّبت صفحاته حتى وجدت نفسي أغوص في أسرار السياسة الدولية، لأكتشف الوجه الآخر لفرنسا: تلك التي صنعت لإسرائيل قنبلتها النووية بالأمس، وتقف اليوم حجر عثرة أمام إيران. من هنا وُلد هذا المقال، قراءة بحثية في تناقضات فرنسا بين الماضي والحاضر.

*فرنسا بين خيار شمشون وازدواجية المعايير النووية*

منذ منتصف القرن العشرين، برز الدور الفرنسي في إعادة تشكيل التوازنات الإستراتيجية في الشرق الأوسط. كتاب الصحفي الاستقصائي الأميركي *سيمور م. هيرش تحت عنوان خيار شمشون* يوثق بالتفصيل كيف ساهمت باريس في تمكين الكيان الإسرائيلي من امتلاك التكنولوجيا النووية، في لحظة تاريخية كانت فيها فرنسا تبحث عن تعويض استراتيجي بعد خسارتها أمام السوفيات في أوروبا وهزيمتها في الجزائر. واليوم، نجد فرنسا نفسها في موقع مغاير تمامًا: جزء من "الترويكا الأوروبية" التي تضغط على إيران، رغم إعلان الأخيرة المتكرر أن برنامجها النووي سلمي الطابع. هذه المفارقة تفتح الباب لنقد علمي لسياسة باريس القائمة على ازدواجية المعايير.

*خلفية تاريخية: فرنسا وإسرائيل بعد أزمة السويس*
بعد أزمة السويس (1956)، تراجعت مكانة فرنسا الدولية وتعرضت لعزلة في مواجهة كلٍّ من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.

في هذا السياق، برز التحالف مع إسرائيل كوسيلة لاستعادة نفوذ استراتيجي في المنطقة.

وفقًا لهيرش، لم تكتفِ فرنسا بتقديم الدعم السياسي، بل زودت إسرائيل بالمعدات والخبرات اللازمة لبناء مفاعل ديمونا في صحراء النقب.

هكذا، لعبت باريس دور "الممكّن النووي" لإسرائيل، واضعة الأسس لترسانة غير خاضعة لأي نظام رقابي دولي.

*فرنسا اليوم: الترويكا ومواجهة إيران*

تشارك فرنسا اليوم ضمن "الترويكا الأوروبية" (إلى جانب بريطانيا وألمانيا) في المفاوضات النووية مع إيران.

بدلاً من الاعتراف بحق إيران في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، تتبنى باريس خطابًا متشددًا، متماهية مع واشنطن وتل أبيب.

بينما تعلن طهران أنها لا تسعى لامتلاك سلاح نووي، يتركز نشاطها على تخصيب اليورانيوم بنسب مخصصة للأغراض المدنية، وعلى تطوير قدرات دفاعية كالصواريخ الباليستية.

المفارقة تكمن في أن إسرائيل – التي تمتلك بالفعل سلاحًا نوويًا – ليست طرفًا في معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT)، في حين تُحاصر إيران رغم التزامها بأطر هذه المعاهدة.

*ازدواجية المعايير الفرنسية في الماضي*

فرنسا دعمت "خيار شمشون"، أي بناء الردع النووي الإسرائيلي الذي يقوم على التهديد باستخدام السلاح النووي في حال تعرض الكيان لخطر وجودي.

في الحاضر: فرنسا ترفض حتى السماح لإيران بتطوير منظومات دفاعية أو تكنولوجيات مزدوجة الاستخدام، بما فيها الأبحاث المرتبطة بالأمونيا والصناعات الباليستية.

هذه المفارقة تضع باريس أمام سؤال المصداقية: كيف تمنح الشرعية لترسانة إسرائيل النووية غير المعلنة، بينما تحاصر برنامجًا إيرانيًا لم يتجاوز حدود الاستخدام السلمي المعلن؟

*البعد الجيوسياسي*

تتطلع فرنسا إلى لعب دور قوة متوسطة مؤثرة في النظام الدولي، لكنها كثيرًا ما تجد نفسها تابعة للسياسات الأميركية.

في الشرق الأوسط تحديدًا، يتقاطع الموقف الفرنسي مع مصالح إسرائيل ودول خليجية، بدل أن ينطلق من مقاربة استراتيجية مستقلة.

هذا التموضع يعكس انتقال فرنسا من نموذج "ديغولي" مستقل إلى نموذج يكرّس التبعية للمحور الغربي-الأطلسي.


إن قراءة متأنية لكتاب *خيار شمشون* تُظهر أن باريس ساهمت تاريخيًا في إحداث خلل استراتيجي خطير في المنطقة عبر تمكين إسرائيل نوويًا. أما اليوم، فإن انخراطها في محاصرة إيران يكشف عن استمرار نهجها القائم على ازدواجية المعايير. هذا السلوك لا يعكس فقط انحيازًا سياسيًا، بل يعكس أيضًا فقدان فرنسا لهويتها الاستراتيجية المستقلة، وهو ما يضعف من قدرتها على لعب دور بنّاء في أمن الشرق الأوسط واستقراره.

الناشر

هدى الجمال
هدى الجمال

shadow

أخبار ذات صلة