*المال بدل المعلومة: سقوط صورة إسرائيل الأمنية واستجداء الموساد للعملاء*
*كتب الباحث السياسي جواد سلهب*
تسعى "إسرائيل" منذ نشأتها إلى الظهور بمظهر القلعة الحصينة ذات الأجهزة الأمنية والاستخباراتية التي لا تخطئ. وقد غذّت هذه الصورة الأسطورية عبر الإعلام والدعاية النفسية، محاولةً إقناع خصومها بأن أجهزتها قادرة على الوصول إلى أي معلومة وملاحقة أي هدف. غير أنّ الوقائع الميدانية والسياسية الأخيرة تكشف هشاشة هذا الكيان، وتعري أجهزته من وهم التفوق الأمني والاستخباراتي.
*مؤشرات العجز الاستخباراتي*
1️⃣ إعلان المكافآت المالية:
عندما يعلن رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو عن مكافأة مالية تصل إلى 5 ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن الأسرى الفلسطينيين، فإن ذلك ليس تعبيراً عن قوة، بل عن إفلاس استخباراتي وفشل كامل في تعقب هؤلاء الأحرار.
الأمر نفسه يتكرر مع الإعلان عن مكافآت لمن يتخلى عن سلاحه في لبنان؛ وهي خطوة تكشف أن "إسرائيل" لم تعد تراهن على عملها الأمني الميداني، بل على شراء الذمم في محاولة يائسة لاختراق البيئة المقاومة.
2️⃣ حملة الموساد على وسائل التواصل الاجتماعي:
في مشهد غير مسبوق، بات جهاز الموساد ينشر إعلانات ممولة على مواقع التواصل تدعو الأفراد للتعاون والعمل معه.
هذه الخطوة تمثل سقوطاً مدوياً في ميدان العمل الاستخباراتي التقليدي، وتحولاً من السرية التامة إلى الاستجداء العلني، بما يعكس ضيق اليد وعجز الاختراق.
3️⃣ البعد النفسي والدعائي
في الحرب الأخيرة، اعتمد العدو سياسة "الإغراق بالنار" وكثافة الضربات الجوية، ليس لأنه يمتلك بنك أهداف نوعي، بل لأنه أراد أن يرسخ في وعينا صورة "العين التي لا تنام". الهدف كان إدخال المقاومة وشعوب المنطقة في دائرة الشكوك والارتياب المتبادل، أي ضرب النسيج الداخلي أكثر من ضرب القدرات العسكرية.
لكن النتيجة جاءت عكسية: لو كان العدو يعلم كل شيء كما يدعي، لكان استمر في الحرب حتى الإجهاز على المقاومة، لا أن يتوقف عند عتبة الفشل والانكسار.
*قراءة استراتيجية*
هذه المظاهر تكشف جملة حقائق أساسية:
أن "إسرائيل" تعيش أزمة ثقة داخلية وخارجية في مؤسساتها الأمنية.
أن قدرتها على الردع ليست سوى صورة إعلامية هشة، تنهار عند أول اختبار ميداني حقيقي.
أن رهانها على الحرب النفسية بات مكشوفاً، ولم يعد قادراً على شل إرادة المقاومة أو تفتيت بيئتها.
إن هشاشة "إسرائيل" الأمنية اليوم لم تعد سراً ولا تحليلاً نظرياً، بل حقيقة تتجلى في سلوكها العملي: من شراء المعلومات بالمال، إلى استجداء المتعاونين عبر الإعلانات، وصولاً إلى العجز عن تحقيق أهداف الحرب. هذه الوقائع تؤكد أن ميزان القوة المعنوي بات يميل لصالح المقاومة، وأن زمن التفوق المطلق للاستخبارات الإسرائيلية قد انتهى، ليحل مكانه زمن الارتباك والعمى الاستراتيجي.


