*ورشة عمل كبيرة في "المالية" والإنجازات تأتي تِباعاً...*
ليست سهلة على الإطلاق المهمة التي يتولاها وزير المالية ياسين جابر في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ لبنان.
هي مهمة شاقة نظراً لأنّ الملفات التي تحتاج للاهتمام والمعالجة هي ملفات دقيقة وشائكة وضخمة جداً،
وأكثر من ذلك هي ملفات مزمنة ومتراكمة منذ عقود من الزمن.
وقبل الملفات المالية والاقتصادية هناك طبعاً الملف الوطني الهامّ جداً،
لأنّ الوزير بعد اتفاق الطائف بشكل خاص،
له دور سياسي أساسي في المشاركة برسم السياسات العامة على كلّ المستويات،
فكيف إذا كان الوزير جابر يتقدّم الصفوف في تمثيل الثنائي الوطني في هذه الحكومة التي
اتخذت قرارات غير سليمة في 5 و7 آب الماضي
قبل أن يتمّ تجاوزها في جلسة 5 أيلول،
وذلك بعد تدخل قائد الجيش العماد رودولف هيكل وتجاوب رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مع بعض ما طرحه الثنائي الوطني
الذي اعتبر قرارات 5 و 7 آب كأنها غير موجودة.
وبما أنّ موضوع حصر السلاح أصبح في عهدة الجيش،
ولا خلاف أبداً على هذا الأمر بل على العكس حيث يستمرّ التواصل والتنسيق بشكل دائم بين الجيش والمقاومة،
فإنّ الاهتمام في هذه المرحلة عاد ليتركّز على الملفات التي تُعنى بها وزارة المالية، وهي كما قلنا كثيرة ومتشعّبة،
وأوّلها هذا الأسبوع من خلال البدء بدراسة موازنة العام 2026 في مجلس الوزراء.
وكما أبلغنا الوزير جابر خلال لقائنا معه قبل أيام برفقة الخبير الأستاذ زياد ناصر الدين، فإنّ هذه الموازنة تتضمّن بعض الإصلاحات المالية الضرورية،
على أن تتضمّن موازنة العام 2027 الرؤية الاقتصادية المتكاملة بعد وضع الحلول المرتجاة على السكة.
وقد استمع الوزير جابر بعناية إلى وجهة نظرنا بشأن الموازنة العامة حيث الضرورة الملحّة هي لتحسين الجباية
بدلاً من زيادة الضرائب والرسوم،
وحيث أنّ أرقام الموازنة كانت تصل إلى حوالى 16 مليار دولار قبل الانهيار في تشرين الأول 2019 وأصبحت اليوم بحدود 5 مليارات دولار،
فهذا يعني أنّنا قادرون على عدم العودة إلى تضخيم الأرقام بشكل مَرَضي والاستدانة والإنفاق بلا حسيب أو رقيب،
كما كانت تحصل الأمور طوال العقود الثلاثة الماضية، خاصة مع اعتماد مصرف لبنان سياسة
تثبيت سعر صرف الدولار الأميركي إزاء الليرة اللبنانية،
وما تبع ذلك من فوائد مرتفعة جداً على سندات الخزينة بالليرة وصلت إلى نحو 42% عام 1995،
ثم أتانا "ابتكار" إصدار سندات خزينة بالدولار الأميركي عام 1998،
كأنّ مطبعة الدولار موجودة لدينا في لبنان مع العلم أنّ الأوراق النقدية بالليرة تتمّ طباعتها في الخارج.
لذلك يحرص الوزير جابر في هذه المرحلة على إنجاز القوانين التي تشكل اللبنة الأساسية لمعالجة الملفات الكبيرة والشائكة، والتي كانت مطروحة طوال السنوات الماضية من دون نتيجة،
وبالفعل فقد تمّ إنجاز قانون رفع السرية المصرفية،
وقانون إعادة تنظيم القطاع المصرفي،
والعمل جارٍ بشكل حثيث لإنجاز قانون الفجوة المالية،
إضافة إلى العمل على الجبهة الإصلاحية من الضرائب على أنواعها،
إلى الجمارك، إلى تحديث نظام المعلوماتية، وغير ذلك من ملفات ستظهر تباعاً مع تقدّم العمل بشأنها.
على أنّ الملف الأبرز يبقى ملف الودائع المصرفية التي لم تجد لها أيّ حل منذ ست سنوات،
فقط هناك بعض الترقيع الجزئي جداً المتمثل بتعاميم مصرف لبنان، والتي تعطي المودعين "خرجية" شهرية من ودائعهم.
وفي هذا المجال أكد الوزير جابر أنّ هناك اقتراحات عديدة قيد البحث
خاصة التي تلحظ إعادة كلّ الودائع التي تقلّ عن 100 ألف دولار لأصحابها،
وهنا يُنتظر أن يُقدّم مصرف لبنان دراسة كاملة في هذا الشأن،
لا سيما لجهة تحديد عدد هؤلاء المودعين الذين ربما يشكلون نحو 80 أو 85% من مجمل المودعين،
وبالتالي الإمكانية الموجودة لضخ نحو 4 مليارات دولار في الأسواق اللبنانية
خلال ثلاث سنوات،
وهذا يؤدّي بطبيعة الحال إلى نوع من الانتعاش في دورة الاقتصاد الوطني،
على أن يتواصل البحث في إعداد خطة شاملة لمعالجة ملف المودعين بشكل كامل.
أيضاً هناك ملف تعزيز جباية الضرائب والرسوم وسبل منع التهرّب الضريبي والتهرّب الجمركي، وهو ما يؤذي الاقتصاد الوطني والخزينة العامة والمواطنين في الوقت نفسه.
كذلك يجري العمل على توفير الحوافز الاستثمارية ،
والبُنية اللازمة لجذب رؤوس الأموال وتشجيع الشركات على العمل في كلّ المناطق اللبنانية، حيث الفرص متاحة في معظم المجالات الصناعية والسياحية والزراعية
وفي قطاع الخدمات والتكنولوجيا.
ختاماً يمكن القول إنّ العمل في وزارة المالية جدّي إلى أقصى الحدود،
ولا بدّ أن تظهر نتيجته في وقت قريب،
خاصة في ما يتعلق بالرواتب حيث
كانت البداية مع العسكريين،
وكذلك توفير كلّ ما يلزم لتحقيق الحلول الإيجابية المطلوبة،
وبالتالي الانطلاق نحو الاقتصاد المنتج والنامي بشكل دائم.


