*بقلم د. يوسف صقر*
يحمّل أغلب العرب الأحداث السورية على محمل الطائفية، ويعتبرون انتصار الجولاني على الأسد انتصارًا للسنة على العلويين. هذا حال فكر الشارع العربي الذي لا ينفكّ عن تحليل مجريات السياسة في كيمياء الطائفية والتعصّب الأعمى.
اتُّخذ قرار في دوائر الحكم في الولايات المتحدة والغرب بضرب حزب الله وإضعاف سوريا وقطع طريق إسناد المقاومة ودعمها من إيران إلى العراق فَسوريا ثم لبنان. فكانت الضربة الإسرائيلية لحزب الله واستشهاد سماحة السيد حسن نصرالله، الأمين العام لحزب الله، مما أضعف سوريا وسهّل اتخاذ قرار بعزل بشار الأسد عن الحكم. هذا من ظاهر العمل العسكري، لكن في خفايا الوقائع السياسية والمتغيرات العسكرية لا بدّ من قراءة الأسباب الاقتصادية للأحداث.
فالأزمة السورية منذ بدايتها عام 2011 كانت في جوهرها أزمة أنبوب غاز: أرادت شركات غربية مدّ أنبوب من قطر عبر سوريا إلى أوروبا، لكن سوريا ومن خلفها روسيا رفضتا الخطة لأنها تضعف سيطرة روسيا على سوق الطاقة الأوروبية. فبدأت الأحداث السورية لتضعف سوريا وتمزقها وتدمرها، وتمرر الصفقات التجارية. واستفادت إسرائيل من هذا الوضع لتحقيق حلمها في قطع طريق دعم المقاومة في لبنان ومحاصرتها. لذلك، بعد عزْل الأسد دوليًا — وليس كما يصور البعض بأن مجموعة من «الإرهابيين» استطاعت إسقاطه — دخلت تركيا المرتزقة الذين أشرفت عليهم إلى شمال سوريا لمقاتلة الأكراد، وفتحت المجال أمام الشركات التركية للسيطرة الاقتصادية على سوريا والتحكّم في طرق التجارة الدولية، مما يمنحها قوة اقتصادية وسياسية في المحافل الدولية ويجعلها رقمًا يصعب تجاوزه.
وقعت الولايات المتحدة في خطأ سياسي شبيه بهفوتها بعد احتلال العراق عندما حلت مؤسسات الدولة وأجهزة الأمن والجيش. صحيح أن أمريكا وافقت على عزْل الأسد تحت ذريعة منح فرصة لتغيير نظام الحكم في سوريا، لكن مدير مكافحة الإرهاب في البيت الأبيض سيباستيان غوركا قال: «لم نُحضّر لمرحلة ما بعد عزل الأسد». وهنا يكمن الخطأ الأمريكي: فقد وجدت في الجولاني أداةً طيّعة في يد أمريكا وإسرائيل، لكنّها تجاهلت التحكّم التركي والإيراني والعربي في سوريا.
فما الذي سيحصل؟ الجولاني أمام المجتمع الدولي قد يلقي كلمة، ومن ثم يجلس مع الأمريكيين والإسرائيليين. إذا قبل بتوقيع اتفاق أمني مع إسرائيل — وليس معاهدة بالمعنى الرسمي — فقد يُغتال عند عودته إلى دمشق على يد أحرار سوريا وطنييها الذين يرفضون السلام مع الصهاينة. ومنذ فترة قصيرة أفشلت المخابرات العراقية خطة لاغتيال الجولاني بالتعاون مع جهاز حمايته. وإذا امتنع عن التوقيع، فسيُحضّر له ملف الجرائم التي ارتكبها في الساحل السوري والسويداء ويُحال إلى المحكمة الدولية.
هو على الحافة بين خيارين، ومصيره واحد في جميع الأحوال: إما الخضوع لمطالب الولايات المتحدة أو فقدان تأثير تركيا على سوريا — فهل ستخضع تركيا لمطالب الولايات المتحدة أم تفقد سوريا





