تزدحم التطورات والمستجدات في لبنان والمنطقة بشكل كثيف جداً، وتتداخل الملفات في ما بينها إلى حدّ كبير، بحيث يصعب الخوض في أيّ تحليل أو إبداء أيّ رأي قاطع بشأنها قبل أن تتحدّد مآلاتها والوجهة التي ستتخذها في الآتي من الأيام.
الملفّ الأول الذي يتقدّم على غيره هو المتعلّق بوقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وخاصة على الجنوب، وانسحاب جيش الاحتلال من الأراضي اللبنانية المحتلة وإطلاق الأسرى اللبنانيين من سجون الاحتلال تمهيداً لبدء إعادة البناء والإعمار، كما ينص اتفاق وقف الأعمال العدائية المعلن في 27 تشرين الثاني الماضي، وقبله القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي بعد حرب تموز ـ آب 2006.
ثمّ يأتي بعد ذلك الحوار الوطني برعاية رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بشأن استراتيجية الأمن الوطني، كما ورد في خطاب القسم وفي البيان الوزاري، وهو ما يؤكد عليه دائماً رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري والأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم.
ولا شكّ أنّ الرئيس عون سيبذل ما في وسعه خلال وجوده في نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وستتركّز جهوده ولقاءاته على حشد الدعم الدبلوماسي العربي والدولي من أجل وضع حدّ للاعتداءات الإسرائيلية وتطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية والقرار 1701، حتى يتمكّن لبنان من الانطلاق نحو إعادة الإعمار في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية وفي كلّ المناطق التي تضرّرت من الاعتداءات الصهيونية في العامين الماضيين.
هنا نصل إلى الملف الموازي المهمّ جداً أيضاً وهو المتعلّق بالوضع الاقتصادي في لبنان، وهو وضع غير سليم من كلّ الجوانب لا سيما في الشأن المالي سواء على الصعيد الرسمي أو بالنسبة للقطاع الخاص وتحديداً هنا القطاع المصرفي الذي تستمرّ معاناة اللبنانيين منه ومعه منذ ستّ سنوات من دون أيّ حلول أو قرارات جدية تؤشر إلى إمكانية سلوك مسار واضح يؤدي في نهاية المطاف إلى الحلّ المنشود.
وفي هذا السياق يُسجَّل لوزير المالية ياسين جابر الذي يحاول أن ينجز شيئاً ما، لكنه بالطبع يحتاج إلى أن يتعاون معه الجميع سواء في الحكومة أو في مصرف لبنان والمصارف الخاصة حتى يتمّ وضع بعض الأفكار على سكة التطبيق، مثل الطرح القائل بإعادة كلّ الودائع التي تقلّ عن 100 ألف دولار لأصحابها، وهنا يُنتظَر أن يُقدّم مصرف لبنان دراسة كاملة في هذا الشأن، لا سيما لجهة تحديد عدد هؤلاء المودِعين الذين ربما يشكلون نحو 80 أو 85% من مجمل المودِعين، وبالتالي الإمكانية الموجودة لضخ نحو 4 مليارات دولار في الأسواق اللبنانية خلال ثلاث سنوات، وهذا يؤدّي بطبيعة الحال إلى نوع من الانتعاش في دورة الاقتصاد الوطني، على أن يتواصل البحث في إعداد خطة شاملة لمعالجة ملف المودعين بشكل كامل.
هذا إضافة إلى إنجاز القوانين التي تشكل اللّبنة الأساسية لمعالجة الملفات الكبيرة والشائكة، والتي كانت مطروحة طوال السنوات الماضية من دون نتيجة، وبالفعل فقد تمّ إنجاز قانون رفع السرية المصرفية، وقانون إعادة تنظيم القطاع المصرفي، والعمل جارٍ بشكل حثيث لإنجاز قانون الفجوة المالية، إضافة إلى العمل على الجبهة الإصلاحية من الضرائب على أنواعها، إلى الجمارك، إلى تحديث نظام المعلوماتية، وغير ذلك من ملفات ستظهر تباعاً مع تقدّم العمل بشأنها، لا سيما لجهة توفير البًنية الاستثمارية المناسبة لتشجيع لجذب رؤوس الأموال وتشجيع الشركات على العمل في كلّ المناطق اللبنانية، حيث الفرص متاحة في معظم المجالات الصناعية والسياحية والزراعية وفي قطاع الخدمات والتكنولوجيا.
على أنّ ذلك يلزمه توفير مناخ من الاستقرار والأمان، وهذا يتحقق من خلال التلاقي الوطني بالدرجة الأولى، وأيضاً من خلال التفات الدول العربية وتحديداً الخليجية إلى لبنان والعمل على مساعدته فعلياً وليس كلامياً فقط كما هو حاصل حتى الآن.
ولعلّ مبادرة الشيخ نعيم قاسم تجاه المملكة العربية السعودية تصبّ في هذا الاتجاه، ويبدو أنّ التجاوب السعودي غير مستبعد، خاصة أنّ المبادرة لم تأتِ من فراغ، بل هناك تطورات واتصالات مهّدت لها، لا سيما بعد الاعتداء الإسرائيلي على قطر، واستهداف قادة حركة حماس في الدوحة، الأمر الذي يجعل الأمن الخليجي والعربي كله مهدّداً بهذه البلطجة الصهيونية.
وقد يكون التحرك السعودي باتجاه باكستان والتحرك الإماراتي باتجاه الهند مقدمة لسياسات خليجية جديدة تواجه التهديد الإسرائيلي، وهذا ما ننتظر أن يتوضّح في الأيام المقبلة...





