*مخاطر انتخاب المغتربين*
*بقلم علي خيرالله شريف*
يسعى اليمين اللبناني، من خلال دعوته(المدعومة من الخارج) إلى إقرار قانون يتيح للمغتربين انتخاب الـ 128 نائباً في البرلمان اللبناني، إلى تحقيق نتائج عدة تؤدي إلى استكمال عملية تدويل الوضع الداخلي، عبر نقل الثقل الأكبر من القرار التشريعي إلى الخارج، لِيُوائم التدخلات الخارجية الأخرى في الشؤون اللبنانية. ويعتقد هذا اليمين أن عدد المؤيدين له من المغتربين، خاصةً من المسيحيين، يبلغ أضعاف عدد المؤيدين للمق-اومة. إذن سيكون هناك إقبال كثيف على المشاركة في الاقتراع من قبل مؤيديه، مقابل إحجام من قبل مؤيدي المق-اومة، بسبب الترهيب والتهديد اللذين سيتعرضون لهما من قبل مؤيدي اليمين(ومنهم عملاء هاربون) ومن قبل أجهزة المخابرات الداعمة له. وهذا ما حصل فعلاً في تجربة انتخاب ستة نواب من الاغتراب في انتخابات ٢٠٢٢ حيثُ تَغَيَّبَ الكثيرون خوفا على أنفسِهِم ومصالحهم. وهذا سيجعل الأكثرية الساحقة من النواب بيد اليمين، وسيجعل القرار اللبناني بيد الخارج بشقيه: الاغترابي والدولي.
أما عن مرحلة ما بعد إقرار هكذا قانون وحصولهم على الأكثرية الساحقة التي يحلمون بها، فهناك "ثروة" من الإجراءات التي تنتظر لبنان واللبنانيين، ليس أولها السيطرة على كل السلطات، وتعديل صلاحيات رئيس الجمهورية وتغيير عقيدة الجيش اللبناني وتوقيع اتفاقية سلام مع العدو. وليس آخرها تجريم كل من قاتل العدو منذ قيام كيانه لغاية اليوم، وكم الأفواه، وتكبيل الحريات، وتعميق التشرذم الطائفي، تحت ذرائع متعددة مثل "الإرهاب" حسب التعريف الأميركي له، ومعاداة السامية، والعمالة لإيران، ومعاداة السلام، وعدم حب الحياة، وربما يستحدثون تهماً جديدة مثل المجوسية والرافضية وأبناء المتعة وعبدة الحجارة، وغيرها الكثير مما لا يقبله عقل ولا منطق بناء الدولة. ألسنا في عهد الترامبية التي تنتهجُ سياسة التكفير على الطريقة الداعشية، وترقص في السياسة كما ترقص في العلب الليلية، بالعربدة والبلطجة واغتصاب حقوق الشعوب والأوطان؟
إذا نجح اليمين في إقرار هكذا قانون، فإن ذلك يعتبر انتهاكاً للميثاقية، وهذا لا يمكن السماح به إلا عبر مؤتمر تأسيسي جديد للبنان، يتم فيه تعديل الدستور وإعادة النظر بأسس ومبادئ الشراكة الوطنية وبكل الاتفاقيات السابقة(مثل الطائف والدوحة وغيرهما).
إن إقرار قانون انتخاب عادل لا يبدأ بقانون عشوائي لانتخاب المغتربين، بل يبدأ بسلسلة إجراءات حضارية تضع نصب أعينها تطوير الديمقراطية وليس استغلالها لتمرير المآرب الكيدية. فلا يصح اللجوء إلى الغوغائية والبروباغندا لتهريب القوانين، بل يجب اتباع خطوات موضوعية منها:
1. إجراء إحصاءات دقيقة لعدد السكان في الداخل وفي الاغتراب(وهذا الأمر يعارضه اليمين اللبناني خوفاً من المفاجآت الديمغرافية).
2. إلغاء الطائفية السياسية وإعادة توزيع عدد النواب حسب التوزيع المنصف لعدد السكان.
3. إقرار لبنان دائرة انتخابية واحدة، ما يؤمن عدالة توزيع الأصوات وعدالة الفوز.
4. الاستئناس بكيفية تعاطي الدول مع مغتربيها.
5. إقرار حق الاقتراع لسن 18 أو ما دون.
6. ضمان عدم ملاحقة المغترب من قبل الدول المضيفة بسبب موقفه السياسي. وهذا الأمر يتطلب نزع صفة الإرهاب عن كل الجهات اللبنانية وحذف أسمائهم عن لوائح الإرهاب، وتفعيل القوانين والمواثيق الدولية التي تحصن الانسان من الانتقام.
7. منع التدخلات الأجنبية بالشأن اللبناني الداخلي، ومنع السفراء من حشر أنوفهم بكل شاردة وواردة.
8. تحريم المال الانتخابي غير القانوني وتجريم كل من يخالف القوانين المرعية واستصدار قوانين حديثة بهذا الشأن.
نحن لسنا ضد اقتراع المغتربين ولكن هكذا قرار لا يُتَّخذ بالطريقة المجتزأة الغوغائية التي يتم الترويج لها من قبل اليمين اللبناني. هذا إن أراد هذ اليمين أن يبني لبنان وطناً عصرياً نهائياً لجميع أبنائه.
الأربعاء 29 تشرين الأول 2025


