*دولة لا تواجه العدوان الإسرائيلي تفقد شرعيتها*
لم يكن خبر توغل جيش العدو الإسرائيلي في بلدة بليدا واغتياله لموظف البلدية إبراهيم سلامة خبراً مفاجئاً لأحد في لبنان. كما لم يحدث اغتيال الشقيقين حسن وحسين سليمان في البياض، أمام عيون والدتهما صدمة، بل أضيف الخبران إلى آلاف الأخبار عن الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلن عنه تحت عنوان «وقف الأعمال العدائية» في 27 تشرين الثاني 2024.
وفي كل مرّة تقريباً، بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان واللبنانيين، تقوم الدولة بالآتي:
• يصدر عن رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، بيانات شديدة اللهجة أحياناً، تُدين الغارات والخرق الإسرائيليّ للسيادة اللبنانيّة وللاتفاقات الدوليّة.
• يطلبان من المجتمع الدولي والجهات الضامنة لاتّفاق وقف الأعمال العدائيّة الضغط على إسرائيل لوقف الغارات والانسحاب من الأراضي المحتلّة.
• يكرران أن الدولة تعمل على تعزيز وجود الجيش اللبناني في المناطق الجنوبية (جنوب نهر الليطاني) لتأمين انتشار الدولة ومراقبة الأوضاع.
• يحرصان على احترام لبنان لاتفاق وقف إطلاق النار ووقف الأعمال العدائية، ولو من طرف واحد.
لكن يبدو أن فخامة رئيس الجمهورية استدرك أمس، أن الانكفاء عن مواجهة العدو المجرم والاكتفاء بالتنديد والشجب وبعض الخطوات السياسية، لا يتناسب مع وظيفته التي حددها الدستور بـ «المحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه»(المادة 49) فطلب أمس من قائد الجيش العماد رودولف هيكل «تصدي الجيش اللبناني لأي توغل إسرائيلي في الأراضي الجنوبية المحررة، دفاعاً عن الأراضي اللبنانية وسلامة المواطنين». وكان العماد هيكل قد أطلع رئيس الجمهورية على تفاصيل التوغل الإسرائيلي الذي حصل في بليدا «واستشهاد أحد العاملين في البلدية، إبراهيم سلامة، أثناء قيامه بواجبه المهني».
واعتبر الرئيس عون أن «هذا الاعتداء الذي يندرج في سلسلة الممارسات الإسرائيلية العدوانية، أتى بُعيد اجتماع لجنة مراقبة اتفاق وقف الأعمال العدائية (الميكانيزم)، التي يفترض ألا تكتفي بتسجيل الوقائع، بل العمل لوضع حد لها عبر الضغط على إسرائيل، ودفعها إلى التزام مندرجات اتفاق تشرين الثاني الماضي، ووقف انتهاكاتها للسيادة اللبنانية».
رئيس الجمهورية لا يريد فتح جبهة عسكرية ضد العدو الإسرائيلي في الجنوب، في ظل النقص الحاد في التسليح والموارد والتكنولوجيا العسكرية الذي يعاني منه الجيش اللبناني، لكن لا يمكن أن يقتل جيش العدو الإسرائيلي مواطنين لبنانيين أمام ضباط الجيش اللبناني وجنوده من دون أن يحرّكوا ساكناً. ولا شك أن كل الشباب والأهالي في الجنوب سيساندون جيشهم الوطني بكل قوتهم في أي مواجهة مع العدو الإسرائيلي.
أما في الشق السياسي والديبلوماسي والقانوني والإعلامي، فيمكن أن يتطوّر الموقف اللبناني الرسمي لمواكبة تطوّر موقف رئيس الجمهورية وذلك على النحو الآتي:
أولاً، في إطار التحرك الديبلوماسي الدولي، يفترض أن تقدم وزارة الخارجية، في كل مرة يتعرض فيها لبنان واللبنانيين لعدوان إسرائيلي (وليس انتقائياً أو ظرفياً) شكوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي في نيويورك والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس عبر وزارة الخارجية اللبنانية، موثّقة بالزمان والمكان والأدلة (صور، شهادات، تقارير طبية) ونشر نص الشكوى في وسائل الإعلام وعلى نطاق واسع. كما يفترض التواصل الفوري مع قوات «اليونيفيل» العاملة في الجنوب، لإجراء تحقيق مشترك، وتثبيت الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار في سجلاتها الرسمية. والطلب من الأمم المتحدة تحميل إسرائيل مسؤولية خرق القرار 1701، والمطالبة بتدابير ردعية أو على الأقل ببيان إدانة رسمي.
ثانياً، يفترض أن يعرض المسؤولين اللبنانيين نسخة عن الشكاوى الرسمية إلى الأمم المتحدة أمام المبعوثين الأميركيين قبل البدء بأي نقاش. كما يفترض رفع صور الشهداء والمخطوفين المدنيين اللبنانيين في القاعة التي يتم فيها الاجتماع بالمسؤولين الأميركيين. وليكن واضحاً أن الاجتماع بالمبعوثين الأميركيين القادمين من فلسطين المحتلة، ليس تطبيعاً مع العدوان الإسرائيلي المتواصل على لبنان واللبنانيين.
ثالثاً، في إطار التحرك السياسي والإعلامي، يفترض إعلان موقف رسمي واضح من الحكومة اللبنانية، يشدد على أن الكيان الإسرائيلي هو عدو لبنان، وعدو القانون الدولي، وعدو الأمم المتحدة. وينبغي محاسبته أمام محكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية الدولية، من دون تأخير أو تلكؤ. كما يفترض التأكيد أمام المجتمع الدولي، وأمام الأميركيين والأوروبيين بشكل خاص، على حق اللبنانيين في مقاومة الاحتلال ومواجهة العدوان الإسرائيلي المتواصل عليهم بكل الوسائل المتاحة.
لكن وبكل أسف، يبدو أن في الدولة اللبنانية اليوم، برغم الموقف المتقدم والشجاع لرئيس الجمهورية أمس، ما يزال مصراً على تطبيق «الورقة الأميركية» قبل وقف العدوان الإسرائيلي. وتسعى هذه الجهات إلى تحقيق التطبيع مع العدو الإسرائيلي عبر إستراتيجية احتيالية، تتجنّب إثارة بلبلة داخلية، يمكن أن تتحول إلى حرب أهلية تدمر كل شيء.
كيف؟
بما أن «السلام مع إسرائيل» لا يمكن أن يُسوّق في لبنان بخطاب التطبيع بسبب «الحساسية الشعبية القوية» (التي تنبه لها الديبلوماسي الأميركي دايفد شينكر)، يتم التسويق للتطبيع بوصفه «اتفاقاً أمنياً واقتصادياً، يهدف إلى حماية لبنان واستقراره».
كما تعتمد الإستراتيجية على الإشادة بصداقات لبنان مع الدول العربية المطبعة مع العدو الإسرائيلي. ويتم التشديد على اعتماد مظلة عربية تحتضن لبنان. وتتضمن الإستراتيجية كذلك حزمة مساعدات اقتصادية كبيرة للبنان، لـ «تخفيف الضغوط الداخلية وإقناع الشارع بأن السلام يمكن أن يكون مكسباً لا خيانة».
هل سيتمكن رئيس الجمهورية من الثبات على الشرف والتضحية والوفاء والتصدي عسكرياً، لأي توغل إسرائيلي في لبنان، أو أنه سيُجبر على التراجع والعودة إلى الاستسلام الكامل الذي يريده «الحضن العربي» المطبّع للبنان؟


