*بقلم الدكتور روني ألفا*
سيدي الرئيس،
ليس سهلاً أن تكتُبَ إلى رجلٍ حملَ البندقيةَ بالأمس ويحملُ الوطنَ كلَّه اليوم على كتفيه. الكلمات خَجلى والورق في غصص. لكن في الجنوب، حيث التراب يعبق بالشهداء، شعرنا اليوم أن الدولة عادت تتنفّس بعد تثاؤب. اليوم قلت لقائد الجيش: تصدَّ لأيّ توغّلٍ إسرائيلي في الأراضي المحرّرة. هذه الجملة وحدها كافية لتذكّرنا أنّ الجمهورية لا تموت إذا كان في قصرها رجلٌ يعرف معنى البندقية.
سيدي الرئيس،
�حين كنتَ قائداً للجيش، كان الجنوبُ يعرفك. يعرفُ خطواتِك في الحقول، وملامحِك في وجوه الجنود. يعرفُ أنّك لا تحبُّ الجنوبَ لأنك ابنَه، بل لأنك ابنُ وطنٍ لا يقبلُ أن يُقاسَ بالرُّضوخ ولا بالمناصب العابرة. الجنوبُ بالنسبة لك ليس حدوداً، بل هو القلب ومن يحبُّ القلب لا يسمحُ لأحدٍ أن يطعنه.
اليوم، في زمنٍ كَثُرَت فيه الأقنعةُ، ظهرتَ بوجهكَ الحقيقي. وجه الرئيس المقاوم، لا بالشعار، بل بالفعل. وجه الضابط الذي لا ينسى أنّ الأرضَ إذا لم نحرسْها، تموت. لقد جدَّدتَ لغةَ الجيش الأصلية: لغة الشرف. أعدتَ للرئاسة معناها الطبيعي: أن تكونَ سيادةً، لا مكتباً للمساومات.
سيدي الرئيس،
�من بليدا وتلال عيتا الشعب وعيترون ومارون الراس، من صور والنبطية وكفركلا، من صمتِ الأمهات اللواتي زغردنَ للسماء، نقولُ لك: نحن سمِعنا نداءَك، وقلنا في أنفسنا: “ها هو الرئيس الذي يُشبهنا.”
سيدي الرئيس،
تعِبنا من الذين لَبِسوا الحرير ونسوا الشهداء، تَعِبنا من الذين جعلوا الجنوبَ نشيداً انتخابياً، لا جرحاً مقدساً. لقد فَرِحَ الشهداءُ اليوم، صدّقني سيدي الرئيس. شعروا أن دماءهم لم تُتركْ في العراء. رأوك تضعُ يدَك على كتفِ الجيش كما كان يجب، وتقول: “هذه أرضُنا، وهذه حدودُنا، وهذا علَمُنا.” رأوك تتحدّثُ بصدقِ القائد لا ببلاغةِ السياسي فغَمَرهم الفرح.
سيدي الرئيس،
�ربما لا يرضى بعضُهم عن موقفك، وربما سيهاجمُك أولئك الذين يخافونَ من الكلمة الحرة. لكنك تعرفُ قبل غيرِك أن الطريقَ إلى بيروت تمرُّ دائماً من الجنوب. ومن لا يحمي الجنوبَ، لا يستحقُّ العاصمة.
تابِعْ ولا تخفْ ولا أقولها بلغةِ الناصِح بل بِلغة الفَخور. ثمَّةَ جنوبٌ يساندُك بصمته، وثمة شهداءٌ يحرسونُك من ترابهم، وثمَّةَ وطنٌ ينتظرُ من الرئاسةِ أن تستعيدَ اسمَها القديم: الكرامة.
في وجهِ العتمة، في زمنٍ صارَ فيه الحيادُ أقبحَ أنواعِ الخيانة، نحن نراكَ ترفَعُ رأسَ الدولة كما تُرفعُ رايةٌ في معركةٍ أخيرة. ونحنُ معك، لا لأنك الرئيس، بل لأنك الرجلُ الذي لم يبِعْ ذاكرةَ البندقية.
سيدي الرئيس،
�ليكن هذا الموقفُ بدايةً لعهدٍ جديد تُكتبُ فيه السيادةُ بالحبرِ الذي كتبَه المقاومون بدمهم. ولتكن رسالتُك لكل من يسكنُ هذا الوطن: أنَّ لبنانَ لا يُحمى بالتصريحات، بل بالموقف.
نحنُ نراك. الجنوبُ يراك. لبنانُ يراك.



