من وجهة نظر المبعوث الأميركي توم برّاك أنّ لبنان "دولة فاشلة" لأنّ هذه الدولة لم تقم بعد بـ "ـنزع" سلاح حزب الله بالكامل!
ولكن العبقري زياد الرحباني أخبرنا منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي في مسرحيته "شي فاشل" أنّ الفشل هو في عدم وجود دولة تحمي شعبها,
وتوفر له السلام والأمان والعدالة والحدّ الأدنى من مقوّمات العيش الكريم.
ما يعتبره برّاك فشلاً نعتبره نحن إنجازات باهرة انطلاقاً من معادلة أثبتت صحتها الأيام والتجارب العديدة، وهي معادلة "الجيش والشعب والمقاومة"،
القائمة منذ اتفاق الطائف، والتي تأكدت في أكثر من مرحلة كان أبرزها صدّ العدوان الإسرائيلي في تموز 1993 تحت شعار "تصفية الحساب"،
حين رفض قائد الجيش آنذاك العماد إميل لحود أيّ تصادم مع المقاومة.
ثم في صدّ عدوان "عناقيد الغضب" في نيسان 1996 حين جاب الرئيس رفيق الحريري الكرة الأرضية لحشد الدعم الدبلوماسي للبنان، ونجح بدعم من الرئيس الراحل حافظ الأسد في فرض معادلة تحييد المدنيّين وحصر المعارك والقتال بين العسكريين.
ثم أتى الإنجاز الكبير للمقاومة بتحرير الأرض عام 2000 خاصة مع الرئيس المقاوم العماد إميل لحود والرئيس الضمير الدكتور سليم الحص. وبعد ذلك الانتصار الكبير في صدّ عدوان تموز ـ آب 2006،
حيث تكرّست وترسّخت المعادلة الذهبية ووفرت الحماية للبنان واللبنانيين لنحو عقدين من الزمن.
في المرحلة الراهنة نشهد محاولات كثيرة للنيل من معادلة "الجيش والشعب والمقاومة" بحجة باطلة يوردها بعض المُغرضين حين يقولون إنّ المقاومة انتهى دورها مع إعلان اتفاق وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني الماضي،
مع أنّ مضامين الاتفاق غير جديدة إنما تشكل بالمعنى الفعلي آلية تنفيذية للقرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في العام 2006، والذي لم يطبّقه العدو الإسرائيلي منذ ذلك الوقت حتى اليوم،
وهو ما يفعله دائماً مع أيّ قرار دولي منذ نشوء الكيان الغاصب في العام 1948.
وها هو العدو اليوم لا يطبّق الاتفاق الذي ينص بوضوح على وجوب وقف الأعمال العدائية وانسحاب جيش العدو من الأراضي اللبنانية المحتلة وإطلاق الأسرى اللبنانيين من سجون الاحتلال،
على أن ينسحب حزب الله من منطقة جنوبي الليطاني ويتسلّم الجيش اللبناني مواقعه ومخازنه وسلاحه في تلك المنطقة،
لتبدأ بعد ذلك عملية إعادة الإعمار والبناء والترميم وتعويض الناس عما خسروه من ممتلكات وأرزاق نتيجة الحرب الوحشية الصهيونية التي طالت البشر والحجر والشجر...
في المقابل نفذ لبنان ما التزم به في الاتفاق، والجيش ينتشر في جنوبي الليطاني والتعاون قائم إلى أقصى الدرجات مع المقاومة لتسلّم المواقع والمخازن والأسلحة،
ولا عائق أمام استكمال هذه العملية سوى أنّ جيش العدو لم ينفذ ما عليه، وبالتالي لا يستطيع الجيش اللبناني الانتشار في أيّ بقعة لا تزال تحت الاحتلال.
ليس هذا فقط بل انّ العدو يتمادى في اعتداءاته الوحشية التي أدّت السبت الفائت إلى استشهاد خمسة شبان في دوحة كفر رمان، وقبلها التوغّل في بلدة بليدا واغتيال الموظف الشهيد ابراهيم سلامة أثناء نومه في مبنى البلدية،
الأمر الذي أثار ردود فعل عديدة كان أهمّها الموقف العالي السقف لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون خلال اجتماعه مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل في بعبدا،
والذي أوْعز فيه للجيش بالتصدي لأيّ توغّل معادٍ دفاعاً عن الأراضي اللبنانية وعن سلامة المواطنين.
وقد لقيَ موقف الرئيس عون الكثير من الترحيب لدى الغالبية العظمى من اللبنانيين، وتحديداً من الجنوبيين الذين يعرفون جيداً أهمية التكامل بين الجيش والشعب والمقاومة، والمفاعيل المهمة جداً التي تحققها وحدة اللبنانيين في مواجهة العدو.
ولكن مع الأسف الشديد، هناك مَن لا يريد لهذا البلد أن يحقق أمنه واستقراره، بل فقط يريدون تنفيذ الأجندات الأجنبية وأهدافها التي تبقي لبنان فاقد الكرامة والسيادة،
وتنزع منه مكامن قوّته، وهم الذين كانوا يرفعون شعار "الجيش يحمي" من أجل استهداف المقاومة،ولكن حين وجدوا أنّ رئيس الجمهورية وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة ومعه قائد الجيش يريدان فعلاً لجيشنا الوطني أن يأخذ دوره بالكامل في حفظ السيادة وحماية الأرض والشعب،
ظهروا على حقيقتهم وانكشفت أكاذيبهم ورأينا الجوقة إياها تهاجم الرئيس والقائد، بحجة أنّ القرار يجب أن يؤخذ في مجلس الوزراء، متناسين عن قصد أنّ مجلس الوزراء سبق أن اتخذ القرار بتكليف الجيش القيام بمهماته في منطقة جنوبي الليطاني،
ومهمات الجيش هي طبعاً الدفاع عن لبنان وحماية الأرض والشعب؟
هذا يوصلنا إلى خلاصة مفادها أنّ كلام برّاك عن "دولة فاشلة" هو الإعلان عن كلمة السرّ التي وصلت إلى الجوقة التي سبق ذكرها، بينما بالمقياس الوطني فإنّ دولتنا لا يمكن أن تكون ناجحة إلا بتنفيذ موقف رئيس الجمهورية وقائد الجيش في مواجهة العدو لحفظ السيادة والكرامة...


