*🖋️كتب الباحث السياسي جواد سلهب*
ليس تعيين الولايات المتحدة سفيرًا ذكرًا في لبنان تفصيلًا بروتوكوليًا أو استبدالًا إداريًا. إنّه تحوّل في المقاربة الأميركية،
ورسالة سياسية تعبّر عن انتقال واشنطن من مرحلة إدارة الضغط غير المباشر إلى مرحلة الحضور الصريح والمواجهة المفتوحة.
منذ مطلع الألفية، لم تُعيّن واشنطن سفيرًا ذكرًا في بيروت، إذ اختارت على مدى عقدين متتالين سفيراتٍ مثّلن سياسةً لم تكن هادئة كما روّجت لها واشنطن، بل كانت حاضرة في عمق المشهد اللبناني، بالتحريض،
والضغط، والتوجيه، مستخدمة أدوات “المجتمع المدني” والعقوبات والتمويل السياسي كوسائل نفوذ.
واليوم، يبدو أنّ تلك المرحلة انتهت أو لم تعد كافية، فاختارت واشنطن وجهًا جديدًا يعكس عودة “القبضة الخشنة” بعدما تراجع تأثير الواجهة الناعمة.
إنّ تعيين سفيرٍ ذكرٍ في هذا التوقيت يعبّر عن تحوّلٍ في نمط الضغط الأميركي، وعن إدراكٍ بأنّ الملفات اللبنانية تتجاوز حدود الدبلوماسية التقليدية.
فالسفير الجديد لا يأتي لفتح قنوات حوار أو تفاهم، بل لإدارة مرحلةٍ مشدودة سياسيًا وأمنيًا، يراد من خلالها تثبيت حضورٍ أميركي مباشر في تفاصيل المشهد اللبناني.
*لكنّ الولايات المتحدة، وهي تغيّر ممثّلها في بيروت، تنسى أنّ لبنان ليس ساحة اختبار ولا ساحة نفوذ، وأنّ كلّ من حاول أن يدير قراره من الخارج سقط عند أول امتحان للكرامة الوطنية.
فالشعب الذي صمد في وجه الاحتلال والعدوان،
وقدّم أغلى التضحيات، لن يسمح بأن تتحوّل سفارة أو سفير إلى وصيّ جديد على قراره الوطني.*
إنّ لبنان اليوم، رغم كل الضغوط والتحديات، ما زال يملك ما هو أثمن من أي دعمٍ أو تهديد: إرادته الحرة.
ومن يراهن على تبديل السفراء لتبديل المواقف سيكتشف مجددًا أنّ في هذا البلد رجالًا ونساءً يعرفون تمامًا كيف يُسقطون
كل محاولة انتداب بثباتهم وصبرهم ووعيهم.


