*بقلم الدكتور يوسف صقر*
في خضمّ المواجهة العسكرية المفتوحة بين الكيان الصهيوني ولبنان، تمارس إسرائيل سياسة ضغطٍ عسكري ممنهج تستهدف من خلالها بيئة المقاومة، بهدف إضعاف معنويات جمهورها وإلحاق الأذى بالمناطق التي تحتضنها.
منذ توقيع اتفاق وقف الاعتداءات على لبنان في ٢٧ تشرين الثاني ٢٠٢٤، أدركت إسرائيل أن الاتفاق لم يمنحها بالسياسة ما عجزت عن تحقيقه بالحرب. لذلك عمدت إلى خرق هذا الاتفاق بشكلٍ متكرر عبر اعتداءاتٍ شبه يومية، في محاولة لجرّ لبنان نحو اتفاقٍ جديدٍ تكون هي الرابح فيه عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا.
تسعى إسرائيل إلى رفع مستوى الضغط العسكري لتحقيق مكاسب سياسية، وتستخدم الإعلام أداةً أساسيةً في حربها النفسية، فتضخّ الشائعات حول هجومٍ وشيكٍ على لبنان، وتحدّد أحيانًا مواعيد وتواريخ مزعومة له، متحدثة عن "ضوءٍ أخضر أمريكي" لبدء الحرب. وكما هو معروف، فإنّ الإعلام أحد أهمّ أسلحة الاحتلال والسيطرة على الشعوب.
وفي الميدان، تستهدف إسرائيل منازل المدنيين في بيئة المقاومة، محاولةً إيقاع أكبر قدر من الدمار لإضعاف النفوس وإذلالها. لكن الواقع السياسي والعسكري على الأرض يُظهر أن هذه الضربات تعكس الفشل لا القوة، إذ لم تتمكّن إسرائيل ولو مرةً واحدة من تدمير المنظومة العسكرية للمقاومة. بل إنّ خبراء عسكريين صهاينة أنفسهم أقرّوا بأن المقاومة استعادت عافيتها وقوتها، وهذا بحدّ ذاته دليل إخفاقٍ إسرائيلي واضح.
وفي هذا السياق، نشرت صحيفة يديعوت أحرونوت في عددها الأخير أن الجيش الإسرائيلي قرّر تقليص عدد قوات الاحتياط بشكلٍ كبير، عبر سحب لواءين ونصف، وسحب عشرات الآلاف من الجنود من الخدمة في شهر كانون الأول المقبل.
إنّ رفع سقف المطالب والضغوط قبل المفاوضات أمرٌ طبيعي بين أي طرفين متصارعين، لكنّ محاولة التهويل بحربٍ جديدة على لبنان تبقى خطوةً صعبة التحقيق على أرض الواقع.
تمامًا كما في الطبيعة: تبلغ سرعة الغزال ٩٠ كم/س، بينما لا تتجاوز سرعة الأسد ٥٨ كم/س، ومع ذلك يصطاد الأسد الغزال. السرّ ليس في السرعة، بل في الخوف؛ فعندما يهاجم الأسد، يفقد الغزال تركيزه وتضعف قدرته على التحكم بعضلاته وحركته، فيسهل اصطياده. كذلك في الحرب النفسية: الهدف هو بثّ الخوف لإضعاف الإرادة قبل المعركة.
الحرب النفسية سلاحٌ يستخدم للسيطرة على الشعوب بأقلّ قدرٍ من الخسائر. لكنّ تاريخنا يشهد بأنّ هذه الأمة لم تنكسر، ودماء شهدائنا وجرحانا — من مواجهة خلدة عام ١٩٨٢ حتى اليوم — تشهد على الصمود والشجاعة والإصرار. الشراسة، والثبات، والاستبسال ليست خيارًا، بل أقلّ ما نقدّمه وفاءً لتضحيات شهدائنا وجرحانا.





