*تحرير الأسرى لا يتحقق إلا بالقوّة*
يشكّل ملفّ الأسرى أحد أكثر العناوين إنسانية ووطنية في مسيرة النضال التحرّري الفلسطيني والعربي، إذ يتجاوز بُعده الإنساني حدود السجن والجدران إلى فضاء الصراع الوجودي بين شعبٍ يسعى إلى الحرية والكرامة، وكيان استعماري مجرم يمارس الإبادة الممنهجة بحق الأرض والإنسان.
وفي ظلّ حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة على شعبنا في غزة والضفة الغربية وفي ظل العدوان المتواصل يومياً على أهلنا في جنوب لبنان والبقاع، يكتسب الحديث عن تحرير الأسرى بُعداً مضاعفاً، لأنه يتصل مباشرة بجوهر الصراع بين مشروع المقاومة ومشروع الإبادة والدمار الشامل والترهيب والاقتلاع والاحتلال.
لم يكن الأسر في التجربة الفلسطينية واللبنانية مجرد إخفاء قصري وإجراء عقابي ضد فدائيين ومقاومين وذويهم، بل شمل آلاف المدنيين ومن بينهم أطفال ونساء وشيوخ وجرحى ومعوّقين، وتحوّل إلى أداة مركزية صهيونية في سياسة السيطرة والاستعمار. فالسجون والمعتقلات الإسرائيلية ليست فقط أماكن للاحتجاز، بل هي مختبرات للقهر، يسعى عبرها العدو إلى كسر إرادة الناس ونزع روح مقاومة الظلم من وعي الأجيال. ولكن الأسرى تحوّلوا إلى رموز للكرامة الوطنية، يجسّدون في صمودهم وصبرهم وتحملهم لآلام التعذيب والاغتصاب ومحاولات الإذلال معاني الحرية رغم القيد، ويؤكدون أن المقاومة ليست فعلاً عسكرياً فقط، بل ثقافة حياة وموقف أخلاقي وإنساني وتكريس للثبات والوفاء والإخلاص.
لقد أثبتت تجارب المقاومة أن تحرير الأسرى لا يتحقق إلا عبر القوة والإرادة والصمود. فمنذ عمليات التبادل الأولى، مروراً بـ«وفاء الأحرار» عام 2011 في فلسطين و«الوعد الصادق» عام 2008 في لبنان، وصولاً إلى المواجهة الجارية اليوم، تكرَّست معادلة جديدة مفادها أن العدو لا يفرج عن الأسرى استجابة لاعتبارات إنسانية أو قانونية، بل خضوع لمنطق القوة الذي تفرضه المقاومة على الأرض. وهنا يظهر البُعد الإستراتيجي لعمليات الأسر والتحرير: فهي ليست فقط استعادة لأفراد، بل إعادة إنتاج للكرامة الوطنية، وترسيخ لمفهوم المقاومة كوسيلة واقعية لتحقيق العدالة.
دعم المقاومة في معركة تحرير الأسرى هو تعبير عن التزام جماعي بالحرية والكرامة، ورفض لسياسات الإبادة والتجويع والتدمير
إنّ تحرير الأسرى، في سياق مواجهة حرب الإبادة، لا يمكن اختزاله في البُعد الفردي أو الميداني، بل لا بد من النظر إليه كجزء من سيرورة تحرّر جماعي. فكل عملية تحرير تُعيد اللحمة بين مكونات الشعب، وتنعش الإيمان بوحدة المصير. كما إنها تعيد تعريف مفهوم النصر، بحيث لا يقتصر على كسب معركة عسكرية، بل يشمل كسر إرادة المحتل في فرض شروطه. وهنا يلتقي الفعل المقاوم مع الفعل الشعبي والسياسي في معركة الوجود والبقاء.
لا يمكن لأي حركة مقاومة أن تستمر وتنتصر من دون حاضنة شعبية ووعي جماعي يساندها. ودعم المقاومة في معركة تحرير الأسرى هو تعبير عن التزام جماعي بالحرية والكرامة، ورفض لسياسات الإبادة والتجويع والتدمير. كما يحمل هذا الدعم بُعداً أخلاقياً عالمياً، لأن قضية الأسرى والمقاومة تتجاوز الحدود الجغرافية لتطرح سؤالاً عن العدالة في عالمٍ تختلّ فيه الموازين، حيث يُمنح المعتدي شرعية القوة، ويُحرم الضحية من حق الدفاع عن نفسه.
من الضروري أن يُنظر إلى تحرير الأسرى ضمن رؤية شاملة للصراع، لا كمطلب تكتيكي، بل كجزء من مشروع التحرر الوطني الكامل. وهذا يعني ربط الجهد العسكري والسياسي والإعلامي في إطار موحّد، يعزّز قدرة المقاومة على فرض شروطها الإنسانية والسياسية. فالمعركة ليست فقط بين مَن يملك القوة العسكرية، بل بين مَن يمتلك الشرعية الأخلاقية والتاريخية وبين مَن يمارس الإبادة والاحتلال والتعذيب.
إنّ تحرير الأسرى هو تجلٍّ رمزي وفعلي لصمود الأمّة في وجه الإبادة. فمع كل أسير يتحرر، يتحرر جزء من الذاكرة الجماعية، وتُستعاد قطعة من الوطن المسلوب ويعاد الحق إلى أصحابه.
ومن هنا، فإنّ دعم المقاومة في معركتها ضدّ الإبادة هو دعم لجوهر الإنسانية نفسها، ولحق الشعوب في أن تعيش بحرّية وكرامة على أرضها. فكما أنّ الاحتلال يسعى إلى الإبادة الجسدية والمعنوية، فإنّ المقاومة، بتحرير الأسرى، تؤكد أنّ النصر هو في انتصار الإرادة على القيد، والكرامة على الإذلال، والحق على القوة.
كرّر سيد شهداء الأمة سماحة القائد السيد الشهيد حسن نصرالله، خلال احتفال تكريم الجرحى والأسرى المقاومين في السادس من آذار 2023، قائلاً: نحن قوم لا نترك أسرانا في السجون ولن نترك أسرانا في السجون.
علي ناصر يونس (1992) لن يُترك في السجون الإسرائيلية، ولا خاله فؤاد حبيب قطايا (1982)، ولا حسين أمين كركي (1989)، ولا حسن أحمد حمود (1985)، ولا علي حسان ترحيني (2006)، ولا محمد علي جهير (1991)، ولا علي محمد فنيش (1990)، ولا مرتضى حسن مهنا (1983)، ولا ماهر فارس حمدان (1994)، ولا عماد فاضل أمهز (1986)، ولا محمد عبد الكريم جواد (1994)، ولا إبراهيم منيف الخليل (1990)، ولا يوسف موسى عبدالله (1986)، ولا حسين علي شريف (1990)، ولا وضاح كامل يونس (1971)، ولا حسن عقيل جواد (1987)، ولا هادي مصطفى عساف (1990)، ولا عبدالله خضر فهدة (2002)، ولا علي قاسم عساف (1999)، ولا حسن يوسف قشقوش وعلاء فارس (مفقود).
هؤلاء جميعهم أمانة في أعناق كل الشرفاء ومسؤولية الشعب والدولة والمقاومة.


