برّاك، بوصفه رجل صفقات، كان يعبّر عن ضيق شديد من ما يسمّيه «المماحكات اللبنانية» في صياغة ما هو متوقّع أو مطلوب. وكان يستخدم كلمات نابية عند سماعه تصريحات لمسؤولين لبنانيين يتحدّثون عن العودة إلى اتفاقية الهدنة أو عن التنفيذ الكامل للقرار 1701.
وعندما يسأله متّصلون به عن المقصود، يجيب: «لا يهمّني ما تقولون، ما يهمّني هو نتيجة ما نتوصل إليه، وهو بحسب تعريفنا: إنهاء الصراع العسكري بين لبنان وإسرائيل، ونقطة على السطر».
وكالعادة، يحلو لبرّاك تذكير الجميع بـ«النموذج السوري»، متحدّثاً عن موقع لبنان في المشهد الإقليمي والدولي.
ويقول عن أحمد الشرع: «لم يهتم لكل الكلام الدبلوماسي، فهو يعرف المطلوب، وذهب إلى مفاوضات مباشرة وعلنية مع إسرائيل، فرددنا له الجميل بأن وفّرنا له المزيد من الحصانة، وفتحنا الأبواب أمام حكومته للسير قدماً نحو مرحلة تُخرِج سوريا نهائياً من دائرة العزلة». ولا يتوقف برّاك عند هذا الحد، فهو يحرص على التأكيد أنه يتشارك مع ترامب في العديد من الأمور، أبرزها كيفية العمل لإتمام صفقة. لكنه يضيف: «رئيسي ليس طويل البال، وصبره ينفد بسرعة، وعلى لبنان أن يفهم ذلك، ويقتنص الفرصة الأخيرة».
وعندما يُسأل مباشرة عن مقصده، يجيب مشيراً إلى ما بات يُعرف اليوم بـ«الشروط الستة»، وهي:
أولاً: على لبنان أن يتصرّف بواقعية، والاعتراف بأن اتفاق وقف إطلاق النار الموقّع في 27 تشرين الأول 2024 قد سقط، وأن الأحداث أثبتت عدم فعاليته، وبات من غير المُجدي النقاش حوله.
ثانياً: على لبنان أن يفهم أن المطروح الآن هو الانخراط في محادثات مباشرة بين وفدين لبناني وإسرائيلي برعاية أميركية، على أن يكون التمثيل اللبناني عالي المستوى وحاصلاً على تفويض علني من الحكومة، حتى لو اختار رئيس الجمهورية من يمثّل لبنان.
كما يجب على لبنان الاقتناع بأن «المحادثات التقنية» ليس لها مكان على طاولة البحث.
ثالثاً: يمكن للبنان أن يحقّق من خلال المفاوضات المباشرة أكثر بكثير مما يمكن أن يحقّقه عبر المحادثات بالواسطة.
وإذا كان المسؤولون اللبنانيون يهتمون بمصالح بلادهم فعليهم مراجعة الاتفاق الذي أبرموه مع إسرائيل بشأن الحدود البرية، حيث أسفر عن الاعتراف بحصص إضافية لإسرائيل ومنحها نفوذاً وحرية حركة واسعة، مقابل طموحات لبنانية بعوائد غير مضمونة وتقييد حرية العمل في البحر.
رابعاً: الاتفاق بين اللبنانيين على أن الوقت قد حان للتخلّص من حالة حزب الله، مع التركيز على الجناح العسكري، وأن واشنطن مستعدّة، بالتعاون مع دول عربية مثل السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة، لتوفير تمويل ضخم يساهم في خلق «مخرج مشرّف» للحزب، وتحويله إلى حزب سياسي، مع الحفاظ على نفوذه من خلال برامج إعمار واسعة في المناطق التي تضمّ جمهوره.
خامساً: الحصول على إقرار من حزب الله بالتخلّي عن السلاح، ووضع خطة تشرف عليها الولايات المتحدة تتضمّن جدولاً زمنياً لنزع السلاح.
على أن تبدأ المرحلة بإعلان الحزب نفسه التخلّي عن العمل العسكري ضد إسرائيل. عندها، ستساعد أميركا لبنان على التحوّل إلى دولة مكتملة الأركان، تديرها مؤسسات واحدة في السياسة والأمن والاقتصاد.
سادساً: اقتناع الأطراف اللبنانية، سواء السياسية أو أصحاب النفوذ في القطاعين المالي والنقدي، بضرورة الاستماع إلى مطالب صندوق النقد الدولي، ووضع آلية تجعل لبنان منخرطاً في تلبية الشروط العالمية للنشاط المالي، وهو ما سيمكّنه من إطلاق برنامج شامل لمكافحة الفساد.


