*الـبـاحـث والـكـاتـب فـي الـعـلاقـات الـدولـيـة ‏د. مـحـمـد حـسـن سـويـدان‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‏*

عاجل

الفئة

shadow
هناك جنوح واضح نحو تحوّل مجتمعنا إلى ما يسمّى أكاديميًا "ثقافة الشكوى".

وهو نمط اجتماعي تصبح فيه الشكوى – سواء في الحياة اليومية أو في الفضاء العام – أسلوبًا ثابتًا ومهيمنًا للتعامل مع المؤسسات، والسياسة، والآخرين.

بحيث يميل الأفراد والجماعات إلى تعريف أنفسهم أساسًا من خلال الشكاوى والنقد غير البنّاء (بل النقد الهدّام)...

أكثر مما يعرّفون أنفسهم عبر ما يقومون به من مبادرات أو مساهمات إيجابية. 

فتتحوّل الشكوى من وسيلةٍ مرحلية للضغط أو التصحيح إلى هوية وسلوك دائمَين.

‏خطورة هذا النوع من الثقافة هي أنها تتحوّل، مع مرور الوقت، من خطوةٍ في مسار إصلاحي إلى بديل عن الفعل.

حيث تكتفِ الناس بالتعبير عن الغضب أو الاستياء، من دون استكمال الطريق نحو إيجاد الحلول. 

بهذا المعنى، تتحوّل المجتمعات من مجتمعٍ فاعل يسعى إلى تغيير الواقع عبر مبادرات ومؤسسات وأطر تنظيمية...

إلى مجتمعٍ يغلب عليه نمط الاستجابة الانفعالية والاحتجاج اللفظي.

‏وتلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا حاسمًا في نشر وتعميق ثقافة الشكوى. 

فهذه المنصّات خفّضت كلفة الشكوى إلى حدٍّ كبير. فبضغطة زرّ يمكن لأي شخص أن يكتب منشورًا غاضبًا...

أو يفضح مؤسسة أو شخصًا ما أمام مئات أو آلاف أو ملايين المتابعين، وأن يحصل في دقائق على تعاطف وتفاعل ودعم رمزي. 

وهنا تتعدّى الشكوى كونها مجرّد رسالة خاصة لتصبح أداءً جماهيريًا؛ يشارك فيها الآخرون عبر الإعجابات والتعليقات وإعادة النشر، فتتحول من تجربة فردية إلى سردية جماعية.
كما أنّ خوارزميات المنصّات تميل إلى إبراز المحتوى الغاضب والاستفزازي، لأنه يحفّز التفاعل أكثر من المحتوى الهادئ أو التحليلي. 

فكلما زادت حدّة الشكوى ودراما الضحية والاتهام، زاد انتشارها وحضورها في الفضاء العام. 

وبذلك يترسّخ الانطباع أن الشكوى العلنية هي الوسيلة الأكثر تأثيرًا...

فيقلّ الحافز على اللجوء إلى القنوات المؤسسية أو العمل الطويل النفس داخل الأطر التنظيمية.

‏باختصار، ثقافة الشكوى ليست مجرّد ميل بشري طبيعي للاعتراض، بل بنية ثقافية وسياسية كاملة تعيد تشكيل علاقة الأفراد بالمؤسسات، وبالصراع الاجتماعي، وبفكرة الفعل السياسي نفسه. 

هي تعبّر عن شعور حقيقي بالظلم والخيبة في كثير من الأحيان

لكنها إذا لم تُربَط بآليات تنظيمية وبمشروعٍ مشترك للتغيير، تتحول إلى حالة دائمة من التململ والمرارة، تُنهِك المجتمع وتُضعِف مناعته...

وتفتح المجال أمام الشعبويات والتيارات المتطرفة التي تستثمر هذا الغضب الخام دون تقديم حلولًا حقيقية.

‏لذلك، يبقى التحدّي اليوم أن نحافظ على حقّ الاعتراض والانتقاد، لكن أن نحاول في كلّ مرّة نحمل فيها شكوى أن نُتبِعها بسؤالٍ عملي: 

ما الذي يمكن أن أفعله، ولو بخطوة صغيرة، ليصبح هذا الاعتراض بداية فعلٍ في طريق حل جزء من المشكلة؟

الناشر

علي نعمة
علي نعمة

shadow

أخبار ذات صلة