*أحمد بهجة*
كثيرة هي الملفات المطروحة على الساحة اللبنانية، وهي ملفات متداخلة في ما بينها وأغلبها إنْ لم نقل كلّها تختزن الأزمات والمشاكل المعقدة والمتراكمة منذ زمن، والتي تلقي بأثقالها الضخمة وأحمالها الهائلة على كاهل اللبنانيين جميعاً على كلّ المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية وغيرها...
لدينا الملف الاقتصادي والمالي الضاغط على الجميع من عدة جوانب أوّلها أزمة القطاع المصرفي وضياع أموال المودعين وعدم توصّل كلّ المؤسسات المعنية (مجلس النواب والحكومة والقضاء...) إلى أيّ حلّ لهذه المعضلة التي يتخبّط البلد في رمالها المتحركة منذ ستّ سنوات وأكثر...
وفي هذا السياق يُطرح العديد من الآراء والمقاربات، وتُبذل المساعي من أجل الاتفاق على إقرار بعض القوانين التي تساعد في حلحلة العقد الكثيرة التي خلّفها الانهيار المالي والاقتصادي في تشرين الأول 2019.
ومن مشاريع القوانين التي أُقرّت يبرز قانون إصلاح وضع المصارف في لبنان وإعادة تنظيمها، لكنه تضمّن بنداً يجعله قانوناً غير قابل للتطبيق، حيث تمّ ربط التطبيق بإقرار قانون الفجوة المالية،
وهذا الأمر لا يزال قيد الأخذ والردّ وتقاذف كرة النار بين الأفرقاء السياسيين والخبراء الماليين والاقتصاديين.
ويبرز هنا موقف المؤسسات المالية الدولية لا سيما البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، اللذين يضعان الشروط وربما يفرضان الإملاءات على بعض المسؤولين لكي يلتزموا بتلك الشروط، وإلا ستبقى الثقة محجوبة عن لبنان في الأسواق المالية العالمية.
وإذا كان الإصلاح المالي والمصرفي مطلب اللبنانيين الذين يريدون بالفعل إيجاد الحلول لمشاكل البلد وأزماته، فإنّ هذا لا يعني على الإطلاق أنّ هناك موافقة عامة على تلبية الشروط، خاصة أنّ تجارب كثيرة غير ناجحة مرّت على دول العالم مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي،
بينما نجحت دول عديدة في إصلاح أوضاعها وحلّ مشاكلها بالاعتماد على ذاتها وخبرات أبنائها ومواردها وأصدقائها...
وخاصة أيضاً أنّ هناك دولاً وجهات كثيرة صديقة للبنان وراغبة بمساعدته من دون أيّ شرط مسبق،
وقد تبلغ المسؤولون اللبنانيون بذلك رسمياً سواء من سفراء تلك الدول أو من مسؤوليها الذين يزورون لبنان بين الحين والآخر. وهذه العروض معروفة وليست جديدة، خاصة في مجال الكهرباء والنفط وشبكات الطرق وسكك الحديد ومعالجة النفايات... ولكن هناك في لبنان مَن يستجيب للخطوط الحمراء التي تضعها الولايات المتحدة على أيّ تعاون بين لبنان وبين تلك الدول وأوّلها إيران وروسيا والصين وغيرها...
لقد عانى لبنان في السابق من أزمات عديدة ومشاكل كثيرة، وكان فيها عامل خارجي بلا شكّ، لكن المؤكد أنّ ما يمرّ به البلد اليوم هو نتيجة مؤامرة تكاتف فيها الخارجي مع الداخلي،
وأدّت إلى هذا الانهيار المالي والمصرفي والاقتصادي الهائل، وهو ما كان يتمّ التمهيد له قبل ثلاثة عقود كاملة، تارة برفع الفوائد على الليرة إلى أرقام فلكية وصلت إلى 43% على سندات الخزينة عام 1995،
ثمّ أتى السمّ القاتل من خلال الإجازة للحكومة بإصدار سندات خزينة بالدولار الأميركي، وكأنّ مصرف لبنان لديه في الطابق السفلي مطبعة للدولار!
يُضاف إلى ذلك سياسة الدعم التي بدأت مع المحروقات والطحين، ثم مع تثبيت سعر الكهرباء على سعر 9 سنتات للكيلوواط منذ تسعينيات القرن الماضي،
هذا فضلاً عن تثبيت سعر صرف الدولار الأميركي على 1500 ليرة لبنانية وما ترتّب على ذلك من كلفة هائلة تبيّن في ما بعد أنّ هذه الكلفة كانت على حساب أموال المودعين التي جرى التصرف بها خلافاً لأيّ قانون من قِبل مَن يُفترض أنهم مؤتمنون عليها سواء في مصرف لبنان أو في المصارف الخاصة، وأول خطوة على طريق التعافي لا بدّ أن تكون بتطبيق القانون على هؤلاء، ولكن مع الأسف ما نراه على هذا الصعيد لا يُبشر بالخير...
طبعاً هناك ملفات أخرى أساسية توازي بأهميتها الملف المالي والاقتصادي، والأبرز هذه الأيام هو الملف المتعلق بالصراع مع العدو الإسرائيلي، لا سيما أنّ التطورات والأحداث متلاحقة، والعدوان على بلدنا مستمرّ، وجرائم العدو متواصلة من دون حسيب أو رقيب، لا من الدول التي تنصّلت من ضمانتها لاتفاق وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني 2024، ولا من المؤسسات الدولية التي من مهماتها أن تعمل على نشر السلام في العالم، لكن هذه المؤسسات وفي مقدمتها الأمم المتحدة ومجلس الأمن تسير وفق أهواء الدول الكبرى وأوّلها الولايات المتحدة التي تتحكّم بمفاصل هذه المؤسسات والدولية وتمنعها من القيام بمهماتها التي أنشئت من أجلها.
هذا ملف تحتاج مقاربته إلى مجال أوسع، وسنعود إليه لاحقاً، لكن ما يجب تأكيده دائماً هو أنّنا بوجود المقاومة والجيش فإننا مطمئنون للمستقبل مهما كانت الصعوبات والتحديات في المرحلة الحالية...


