*✍🏼 منجد شريف*
في كلّ مرة تُفتح فيها ملفات الانهيار المالي والاقتصادي في لبنان، تتصدّر الأرقام المشهد: الفجوة المالية، خسائر المصارف، أموال المودعين، عجز الكهرباء، الدين العام، التضخّم، وارتفاع سعر الصرف.
كلّ هذه الأرقام حقيقية، وكلّها مهمّة، لكنّها ــ مهما تضخّمت ــ لا تكفي وحدها لتفسير حجم الانهيار التاريخي الذي ضرب لبنان.
فالبلد الذي عاش حروباً أهلية وغزوات واحتلالات، لم يجرب يوماً انهياراً بهذا العمق والاتساع، إلا عندما تغيّر شيء آخر: ميزان السياسة الإقليمية والصراع العربي ـ الإسرائيلي.
إنّ التأكيد على العامل السياسي ليس إنكاراً للعوامل الاقتصادية الداخلية، بل وضعها في سياقها الطبيعي.
فلبنان، مهما ساءت إدارته أو ترهّل نظامه المالي، كان دائماً يجد مظلة دولية تنقذه عند حافة الهاوية.
حدث ذلك بعد الحرب الأهلية، وبعد عدوان 2006، وبعد أزمة 2008 المالية العالمية.
كان المجتمع الدولي، برعاية واضحة من الغرب، يُمسك لبنان من حافة السقوط، لأن دوره في معادلة الشرق الأوسط كان مطلوباً ومحمياً.
لكن هذه “العناية الدولية” رفعت فجأة. والسبب لم يكن اقتصادياً بل استراتيجياً.
حين فُرض قانون قيصر على سوريا، لم يكن الهدف فقط العقاب، بل خنق الاقتصاد السوري وعزل دمشق عن محيطها.
لبنان، لاعتبارات جغرافية وسياسية معروفة، كان سيشكّل الممر الطبيعي لكسر هذا الخناق، لذلك كانت النسخة غير المعلنة من “قيصر اللبناني” جاهزة: تضييق على التحويلات، قطع خطوط الدعم، منع أي مساعدات شرقية، تعطيل أي انفتاح اقتصادي على إيران، روسيا، أو الصين، وتجميد الوعود الدولية بمؤتمرات الدعم.
وهكذا، بينما كان الخطاب الاقتصادي الداخلي يناقش أرقام الفجوة المالية، كانت الصورة الكبرى تُظهر أنّ لبنان قد وُضع تحت حصار ناعم، لا يعلن نفسه صراحة، لكنه فعّال وقادر على إسقاط دولة.
لُبّ الإشكالية هنا ليس الدين العام، ولا سوء الإدارة، ولا فساد الطبقة السياسية فقط، بل وجود المقاومة كقوة ردع خارج حسابات الولايات المتحدة وإسرائيل.
منذ أن دخل مشروع المقاومة إلى صلب المعادلة اللبنانية، خصوصاً مع وصول رئيس مقرّب منها إلى بعبدا، تبدّلت قواعد اللعبة.
ثم جاء وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، فانسحابه من الاتفاق النووي مع إيران، ليُطلق استراتيجية “الضغط الأقصى” على طهران وأذرعها في المنطقة. وكان من الطبيعي أن يُدرج لبنان، بوجود مقاومته، ضمن مسرح المواجهة.
في نظر الغرب وإسرائيل، لا يمكن ضمان “أمن الغاز” في شرق المتوسط، ولا يمكن تحييد الحدود اللبنانية–الفلسطينية، ولا يمكن رسم خرائط الطاقة الجديدة، ما دامت المقاومة قادرة على تعطيل هذه المشاريع.
لذلك، كان ضرب الاستقرار الاقتصادي في لبنان وسيلة لتحقيق هدف سياسي: إضعاف البيئة الحاضنة للمقاومة، ودفع اللبنانيين نحو الانقلاب على دورها، تحت ضغط الجوع والانهيار.
المفارقة أنّ لبنان بلد صغير لدرجة أنّ إنقاذه لا يحتاج إلى خطط مارشال جديدة، ولا إلى موازنات بحجم دول.
كان يكفي تسييل مقرّرات “سيدر”، ضخّ أربعة مليارات دولار فقط كدفعة أولى،
ومنح لبنان جرعة أكسجين قصيرة لحين إعادة هيكلة اقتصاده.
هذا المبلغ، بالنسبة للمؤسسات الدولية، لا يُذكر. لكنه لم يُصرف، ليس لأن لبنان لا يستحق، بل لأن القرار الدولي كان واضحاً: اتركوه يسقط، فالسقوط يخدم المشروع الأكبر.
كل التحليلات المالية التي تُقدَّم في الداخل ضرورية، لكنها تبقى ناقصة إن لم تُدرج ضمن سياق الصراع الإقليمي.
الأزمة ليست فقط سياسات نقدية خاطئة، أو فساداً متراكمًا، أو قطاعاً مصرفياً هشّاً.
الأزمة، في جوهرها، هي نتاج اشتباك سياسي ـ جيوستراتيجي على أرض لبنان، بين محور يرفع راية المقاومة ومحور يريد شرقاً أوسط بلا مقاومة، بلا إيران، وبلا أي تهديد لإسرائيل ومشاريع الطاقة.
لبنان بلد صغير، يمكن إنقاذه في أسبوع واحد إذا وُجد القرار الدولي.
لكن بما أنّ لبنان اليوم جزء من معادلة أكبر، فإنّ أزمته ليست أزمة حسابات مصرفية أو أرقام مالية، بل أزمة موقع ودور.
حين يُراد للبنان أن يعيش، تُفتح له الأبواب. وحين يُراد له أن يركع، تُغلق كلّ الأبواب. وهذه هي الحقيقة التي تتغافل عنها كثير
من الخطابات المحلية: أزمة لبنان ليست أزمة مال… بل أزمة صراع.


