* تـتـمـة الـمـقـال أعـلاه*
*صناعة الموافقة*
هذه القوة الخشنة، مهما تعاظمت، تظل عاجزة عن تحقيق استدامة الهيمنة على المدى الطويل دون الضلع الأخطر والمكمل لها: «الهيمنة الثقافية» و«صناعة الموافقة».
وهنا لا بد من التوقف عند ما طرحه غرامشي وتشومسكي؛ بأن النظام العالمي لا يكتفي باحتلال الأرض
بل يسعى إلى جعل قيمه ورؤيته للعالم هي «الفطرة السليمة» لدى الشعوب المقهورة.
فتعمل الماكينة الإعلامية الغربية والعربيّة المتماهية معها ليل نهار لـ«صناعة الموافقة»
فتقوم بفلترة الواقع وتشكيله لخدمة مصالح النخبة المهيمنة، حيث يتم تزييف الوعي وهندسة اللغة ببراعةٍ خبيثة
فتصبح الإبادة الجماعية في غزة ولبنان «دفاعاً عن النفس»، ويصبح الحصار التجويعي «عقوبات ذكية»، ويصبح الاغتيال السياسي «عدالة ناجزة»
بينما تُشيطَن الضحية وتجرّد من إنسانيتها لتصبح مجرّد «أضرار جانبية».
الهدف هنا هو خلق حالة من التعمية الأخلاقية، حيث يقتنع المواطن المقهور بأن وضعه الدونيّ وتخلّفه هما نتيجة طبيعية لثقافته «الهمجيّة» وفساده وتخلّفه وليسا نتاجاً للاستعمار والنهب
وبذلك يمنح المستعمر «موافقة» ضمنية على استمرار هيمنته، ظناً منه أن في ذلك التحضر والنجاة
بل يصل البعض إلى مرحلة الإعجاب والانبهار بـ«المستعمِر القويّ».
*التماهي مع المعتدي*
وتصل المأساة ذروتها حين تنتقل الهزيمة من ساحة المعركة والسياسة إلى داخل النفس البشرية عبر آلية الدفاع النفسي المعروفة بـ«التماهي مع المعتدي».
في هذه الحالة، وتحت وطأة الخوف الشديد والشعور بالعجز أمام جبروت الآلة العسكرية والاقتصادية...
تلجأ الضحية لا شعورياً إلى تقمّص شخصية الجلاد وتبنّي صفاته وقيمه كحيلة نفسية للهروب من القلق.
وكما شخّص ابن خلدون هذه الحالة ببراعة حين قال إن «المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب»
فأصبحنا نرى اليوم أصواتاً من النخب العربية والسياسية لا تكتفي بالصمت، بل تتبنّى سرديّة العدو بحذافيرها...
وتلوم الضحية على موتها، شامتةً في ضرب المقاومة ومبررةً للحصار والتجويع والتنكيل.
هؤلاء المنهزمون داخلياً يرون في التكنولوجيا الإسرائيلية والغطرسة الأميركية معياراً للتفوّق الحضاريّ والأخلاقيّ
فيحاولون الهروب من «عار الضعف» والانتماء إلى ثقافتهم المحلّية عبر ارتداء «أقنعة بيضاء» ومحاكاة المستعمر في لغته وتفكيره.
متحوّلين بذلك إلى وكلاء مجّانيين يجلدون ذاتهم ومجتمعاتهم نيابةً عن الجلّاد
مما يوفّر على العدو تكلفة الاحتلال المباشر ويحقّق له انتصاراً مجّانياً من الداخل.
*كسر القيد الوهمي*
إنّ قراءة المشهد من خلال هذه العدسات المركّبة تكشف بوضوح أنّ المعركة الحالية ليست معركة حدود وجغرافيا فحسب، بل هي معركة وجود وإرادة ووعي.
إنّ التوسع في الجولان، وضرب رموز المقاومة بتلك الوحشية المفرطة، وحصار الشعوب اقتصادياً لدفعها نحو قاع الهرم المعيشي والخضوع والاستسلام...
كلها حلقات في سلسلة واحدة تهدف إلى كسر الروح الجماعية.
لكن التاريخ يعلّمنا درساً بليغاً: أن «العجز المكتسب» حالة نفسية طارئة يمكن نسيانها بمجرد أن ندرك أن القيد وهميّ
وأن استراتيجية الترهيب والرد اللامتماثل تسقط فور مواجهتها برباطة جأش ورفض للخضوع للابتزاز.
فالإمبراطوريات التي تتوسّع بالخوف والبلطجة تحمل بذور فنائها في داخلها، والشعوب التي ترفض التماهي مع جلاده...
وتتمسّك بأصالتها الحقيقية، تظلّ عصيّةً على الكسر مهما اشتدت الهيمنة وتجبّرَ الطغيان.


