*هل ما زال للّيرة قيمة؟*

عاجل

الفئة

shadow


* منجد شريف*

مقاربة محاسبية لسعر الصرف في لبنان

منذ اندلاع الأزمة النقدية في لبنان، تحوّل سعر صرف الدولار إلى رقم متفلّت من أي منطق اقتصادي واضح، تحكمه المضاربات والوقائع المفروضة، فيما غاب النقاش العلمي حول الأساس الحقيقي لقيمة العملة الوطنية. في ظل هذا الواقع، يصبح من الضروري إعادة طرح السؤال الجوهري: كيف تُحدَّد قيمة الليرة من منظور محاسبي؟

تعتمد أي عملة وطنية، في جوهرها، على العلاقة بين الكتلة النقدية المتداولة وبين الموجودات القابلة للدعم لدى المصرف المركزي. وفي الحالة اللبنانية، تشير التقديرات إلى أن الكتلة النقدية المتداولة بالليرة اللبنانية بلغت نحو 64 تريليون ليرة، نتيجة سنوات من الطباعة النقدية غير المنضبطة لتمويل العجز وتغطية الخسائر.

في المقابل، يمتلك مصرف لبنان أصولًا لا يمكن تجاهلها، أبرزها احتياطي الذهب المجمّد، إضافة إلى ما تبقّى من أصول أو فائض في ميزانيته بعد حسم الالتزامات. وبجمع هذين العنصرين، يمكن تقدير الموجودات الصافية بحوالي 51 مليار دولار أميركي، وفق أرقام متداولة في النقاش العام.

انطلاقًا من مقاربة محاسبية بحتة، فإن قسمة الكتلة النقدية بالليرة على هذه الموجودات الصافية تؤدي إلى سعر صرف نظري يقارب 1,255 ليرة لبنانية لكل دولار أميركي. لا يُطرح هذا الرقم كسعر سوقي فوري، ولا كبديل عن الواقع القائم، بل كمؤشر كاشف لحجم الخلل الذي أصاب السياسة النقدية، وللهوة الشاسعة بين القيمة النظرية للعملة الوطنية والسعر المفروض عليها اليوم.

إن تجاهل هذا النوع من المقاربات سمح باستمرار سياسة تحميل الخسائر للمواطنين عبر التضخم، حيث تآكلت الأجور والمدّخرات، في غياب أي حماية نقدية أو اجتماعية، فيما تحوّلت الليرة إلى أداة لامتصاص الخسائر بدل أن تكون أداة استقرار.

ويُظهر هذا الواقع أن انهيار سعر الصرف لم يكن حتميًا، بل نتيجة خيارات واضحة، أبرزها: طباعة النقد بلا تغطية، غياب الشفافية في ميزانيات المصرف المركزي، تعدّد أسعار الصرف، وغياب خطة واضحة لتحديد الخسائر وتوزيعها بعدالة.

إن أي مسار جدي لإعادة الاستقرار النقدي لا يمكن أن يقوم على إدارة الأمر الواقع، بل يجب أن يبدأ بإعادة بناء السياسة النقدية على أسس علمية، تشمل إعلانًا شفافًا عن الأصول والالتزامات، وتوحيد سعر الصرف، ووقف استنزاف القدرة الشرائية كوسيلة غير معلنة لتمويل العجز.

هذه المقالة لا تدافع عن رقم محدّد، بل تدعو إلى استعادة المنطق الاقتصادي في مقاربة سعر الصرف، باعتباره انعكاسًا لسياسات مالية ونقدية يجب إخضاعها للمساءلة، لا قدرًا يُفرض على المواطنين.

الناشر

هدى الجمال
هدى الجمال

shadow

أخبار ذات صلة