*رئيس الوزراء الأسبق الدكتور حسان دياب لبنان بلد الفرص الضائعة، وأنا راضٍ عمّا قدّمته. *بقلم نضال شهاب*

عاجل

الفئة

shadow


*بقلم نضال شهاب*

منفتح على مختلف الثقافات والأطياف، متحرر من التبعية الطائفية بالمعنى السياسي، مؤمن بوطنه وطنًا نهائيًا لجميع أبنائه. يتسم بحسن الخلق، وحسن النسب، وحسن السيرة والمسيرة. له من اسمه نصيب، فهو الحَسَن النقي الذي لم تلوثه السياسة، ولم ينتهز فرصة وجوده في منصبه لتحقيق أهداف شخصية. كان هدفه، ولا يزال، لبنان الوطن الحرّ المعافى، القوي بشعبه، واقتصاده، ومستقبله.
ضيفنا العزيز، رئيس الوزراء السابق الدكتور حسان دياب، الذي استضفناه في صفحات مجلتنا، فكان إضافة ذات قيمة. 
هو وطنيّ بامتياز، متمسك بأرضه، عامل من أجل لبنان وأبنائه.
ابتعد عن وطنه بسبب الدراسة (1976–1985)، ثم عاد إليه في أحلك الأوقات. 
يعتز بوطنيته، وبعروبته، وبقوميته، وباندفاعه نحو التغيير الإيجابي. لديه قناعات عميقة بأن التعليم هو القوة الدافعة للتغيير الاجتماعي والاقتصادي؛ فالتعليم، بالنسبة له كأكاديمي مخضرم، لا يقتصر على تحصيل المعرفة فحسب، بل يشمل تنمية القدرات الفكرية، وتعزيز مهارات التحليل، والتفكير النقدي، والابتكار.
ولأنه مثقف متميز يتسم بالكثير من السمات الأخلاقية النبيلة، فهو يشدد دائمًا على أهمية دمج القيم الثقافية والمبادئ الأخلاقية في المناهج الدراسية، بهدف إعداد جيل قادر على مواجهة التحديات.
فقد والده في سن العاشرة إثر أزمة قلبية، وكانت والدته مثالًا للتضحية، إذ وهبت حياتها لأجله ولأجل شقيقيه وشقيقته، فربّتهم أحسن تربية، وعلّمتهم، ووضعتهم على الدرب الصحيح في الحياة.
عاش الرئيس دياب عصاميًا متفوقًا في الدراسة، واعتمد على نفسه في اتخاذ القرارات المصيرية في حياته منذ سن مبكرة. انتقل إلى إنكلترا في سن السابعة عشرة، حيث أكمل تعليمه الثانوي والجامعي، 
وحصل على شهادة البكالوريوس في هندسة الاتصالات، ثم درجة الماجستير في الهندسة النظمية، ودرجة الدكتوراه في الهندسة الحاسوبية.
عززت استقلاليته لديه روح المثابرة والتحدي، وساهمت في تكوين شخصيته القيادية الريادية. بدأ حياته الأكاديمية أستاذًا في الجامعة الأميركية في بيروت عام 1985، حيث شغل عدة مناصب، منها رئيس قسم الهندسة الكهربائية وهندسة الحاسوب (1998–2001)، ثم عُيِّن عميدًا لكلية الهندسة والرئيس المؤسس لجامعة ظفار في سلطنة عُمان (2004–2006)، وأخيرًا نائب رئيس الجامعة الأميركية لشؤون البرامج الخارجية الإقليمية (2006–2020)، التي كانت تمثل الذراع الاستشاري والريادي للجامعة. 
وخلال هذه الفترة (1985–2020)، ساهم في تطوير برامج أكاديمية جديدة، وقاد مشاريع بحثية عديدة في مجالات الهندسة الحاسوبية، والذكاء الاصطناعي، والتشفير الإلكتروني،
كما كان له دور محوري في إطلاق برنامج هندسة الحاسوب والاتصالات في الجامعة عام 1986، الذي أصبح من أكثر البرامج طلبًا في لبنان والمنطقة.

ضيفنا النقي الوفي، الذي لم ينتمِ إلى أي حزب أو تيار سياسي، لم يتهاون في الدفاع عن وطنه وشعبه. وفي حين كان اللبنانيون يهاجرون بسبب الحروب، عاد هو إلى لبنان عام 1985 ليضع خبراته في خدمة طلابه ووطنه.
ذاع صيته التربوي في لبنان، وكان محط أنظار الكثيرين الذين تابعوه عن كثب، من بينهم دولة الرئيس نجيب ميقاتي، الذي كان يجتمع معه دوريًا في الجامعة الأميركية من خلال اجتماعات مجلس الأمناء السنوية، واختاره وزيرًا للتربية والتعليم العالي في حكومته. وُصف الوزير دياب بالأكاديمي والتكنوقراط، نظرًا لما حققه من مشاريع في الجامعة.

أبلى الوزير دياب بلاءً حسنًا في عمله الوزاري، ولم يكن أداؤه تقليديًا، بل تميّز بالكثير من المشاريع والإنجازات والإصلاحات التي رفعت من مستوى التعليم في لبنان. في نهاية عام 2013، أي بعد عامين ونصف من تنفيذ الإصلاحات التي أطلقها خلال توليه الوزارة (2011–2014)، حصل لبنان على تصنيفات مميزة في تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2013، حيث احتلت جودة كليات الإدارة المرتبة الثالثة عشرة عالميًا، وجودة التعليم المرتبة العاشرة، وجودة تعليم الرياضيات والعلوم المرتبة الرابعة، ولم تسبقه في هذا التصنيف سوى سنغافورة وفنلندا وبلجيكا.
لم تأتِ تسميته رئيسًا للحكومة اللبنانية عام 2019 من باب الصدفة، بل استنادًا إلى إنجازاته في وزارة التربية والتعليم العالي، وسيرته الطيبة، واستقلاليته، واتزانه، وعدم انخراطه في أي فريق سياسي. لم يقبل الرئيس دياب تكليفه بتشكيل الحكومة إلا بعد أن حصل على موافقة رئيس الجمهورية على أن تكون حكومته حكومة تكنوقراط واختصاصيين، تضم نساء في مناصب وزارية سيادية، إيمانًا منه بدور المرأة في الريادة.

وضع خطة إنقاذية كان من الممكن أن تسترجع نحو 98% من ودائع المواطنين على مدى عشر سنوات، لكنه تعرض للكثير من الافتراءات والتحديات، وتم تحميله أخطاء متراكمة على مدى ثلاثة عقود. استقال من منصبه بعد ستة أشهر من توليه، على أثر انفجار مرفأ بيروت، من دون أن يكون لديه أي معرفة مسبقة بخطورة وجود نيترات الأمونيوم، ورغم ذلك تابع الملف مع المعنيين الذين لم يسارعوا إلى معالجته. قدّم استقالته لأن الجميع تخلّوا عنه بعد مطالبته بإقالة حاكم مصرف لبنان ورفضهم لخطة التعافي، وكانت استقالته موقفًا أخلاقيًا قبل كل شيء.

كان له شرف المحاولة لإنقاذ الوطن، وتحمل مسؤوليته في أسوأ الظروف. أقرّ التدقيق المالي الجنائي في مصرف لبنان، ووضع خطة إنقاذ اقتصادي حظيت بدعم من صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي، كما حاول تنفيذ إجراءات لمكافحة الفساد وتحقيق الاستقرار المالي، لكن الأوضاع السياسية والانقسامات الداخلية حالت دون تنفيذ خطته بالكامل.

لا ينوي دياب خوض المعترك السياسي مجددًا، لأن المؤمن لا يُلدغ من الجحر مرتين، ولأن دوره لم ينتهِ بعد.

حاز على العديد من الجوائز والتكريمات الدولية، ونشر أكثر من 150 بحثًا علميًا، وألّف 13 كتابًا، وحصل على أكثر من 30 وسامًا وجائزة تكريمية من مؤسسات أكاديمية وحكومية حول العالم. شارك في العديد من المؤتمرات الدولية متحدثًا رئيسيًا، وكان له دور في تعزيز التعاون بين الجامعات العربية والعالمية. كما أسّس منظمة غير حكومية تهدف إلى دعم التعليم، وتمكين الشباب والنساء، وتشجيع روح المبادرة وريادة الأعمال.
شخصية ضيفنا غنية، تبرز رحلة كفاحه وصموده، حيث تدرّج في حياته من طالب مغترب يسعى لتحقيق أحلامه، إلى قائد أكاديمي، ثم وزير، وأخيرًا رئيس حكومة في واحدة من أصعب الفترات في تاريخ لبنان.

الناشر

علي نعمة
علي نعمة

shadow

أخبار ذات صلة