حين تلاقت النخب على الهروب من الدولة الحقيقية...
المهندس: صلاح بسيوني/ عضو الأمانة العامة للتنظيم الشعبي الناصري.
19/01/2026
لم تسقط الدولة في لبنان، لأنها لم تقم أصلًا. ما وُجد منذ الاستقلال لم يكن دولة، بل تسوية بين منتدب اجنبي و زعامات محلية ( اقطاع) و موظفي سفارات وشخصيات ونخب طائفية و اقتصادية واجتماعية من عشاق السلطة و الامتيازات, الملتزمة اجندة المنتدب . وما إستُخدم باسم “العيش المشترك” لم يكن عقدًا اجتماعيًا، بل فولوكلوراً ديمقراطياً برلمانياً .
في لبنان، لم تُختطف الدولة، بل جرى منع ولادتها عمدًا، لأن قيامها كان سيُسقط نظامًا كاملًا من الامتيازات ويسقط معه الدور الوظيفي لوطن أراده المنتدب بلا هوية .
الطائف لم يؤسّس دولة، بل ثبّت نظام محاصصة. أوقف الحرب الاهلية ، لكنه شرعن أمراءها بالدستور و القانون . زعماء الطوائف وحيتان راس المال من دون استثناء، تعاملوا مع الدولة كمحمية وغنيمة حرب: وزارات للتوظيف، إدارات للزبائنية، قضاء للتعطيل، وبرلمان لتشريع الصفقات. المواطن لم يكن شريكًا، بل تفصيلًا زائدًا يظهر كل اربع سنوات على صورة انتخابات برلمانية.
الدولة في لبنان منذ ولادتها لم تُنشأ لتنظيم وادارة مصالح الشعب بل لمصلحة ما يسمى فئة الخمسة بالمئة من عرة القوم ، الدولة لم تنشأ برؤية سيادية يوماً بل مؤسسة تراعي التهديد الوجودي الحائم مع حلم الاستقرار الدائم.
كل محاولة لصياغة قانون تُقابل بسؤال طائفي مناطقي مصلحي يحمل في طياته قطب مخفية ، وكل مطالبة بالمحاسبة تُواجَه بتخوين و كيدية وازدراء، وكل اعتراض مهما كان حجمه يُصنَّف فتنة. هكذا تحوّلت السياسة إلى إدارة خوف، وتحول الوطن إلى ساحة رهائن.
لذلك حين انهار كل شيء—الليرة، المصارف، الخدمات، العدالة—لم تسقط دولة، بل سقط الوهم. ولهذا دخل الخارج بلا مقاومة بل باستحباب . النفوذ الاجنبي لم يأتِ على أنقاض دولة قوية، بل على أرض فارغة و قاحلة . الوصاية المالية الغربية لم تُفرض على اقتصاد منتج بل على اقتصاد ريعي خَدمي و على اقتصاد منهوب. المال الخارجي لم يُفسد سياسة نظيفة قائمة على الشفافية ، بل استثمر في سوق فاسدة جاهزة لبيع كل شيء حتى الدولة. الجريمة لا تقتصر على الخارج ويعفى الداخل منها .
الطبقة السياسية اللبنانية، بكل تلاوينها، تخاف الدولة الحقيقية لأنها تعني نهاية زمن الإفلات من العقاب. دولة القانون تعني محاسبة من سرق، ومن عطّل القضاء، ومن دمّر الاقتصاد، ومن احتمى بالطائفة لتبرير فشله. دولة القانون تحمي الفرد و الارض و المصالح العامة للشعب.
النخب الثقافية ليست أفضل حالًا. كثيرون منها عاشوا على خراب الدولة. في غياب القانون، يصبح المثقف ناطقًا باسم “القضية”، أو شاهد زور أنيق، أو معارضًا محترفًا بلا مسؤولية. الدولة الحقيقية تسحب منهم هذا الدور، وتعيدهم إلى حجمهم الطبيعي: مواطنون بلا امتياز رمزي, بل نخب يستفاد منها في مهام التطوير و التصحيح.
أما المرجعيات الدينية، فترتعب من الدولة لأنها تُسقط احتكارها للأخلاق. الدولة العادلة لا تحتاج فتاوى لتدير السياسة، ولا منابر لتخويف العامة بالآخرة وتفتن بين الناس. لهذا يُفضّل بعض رجال الدين دولة طائفية مريضة، على دولة مدنية قوية تُعيد الدين إلى مكانه الطبيعي، وتمنع استخدامه كسلاح خطر يهدد السلم الاهلي في بلد متعدد الطوائف و المذاهب .
حتى كبار المستفيدين اقتصاديًا—من المصارف إلى شبكات الاحتكار و المافيات المتعددة —لا يريدون دولة. الدولة الحقيقية تعني كشف الحسابات، نهاية السرية، ضرائب، ومنافسة اقتصادية قانونية و شريفة. تعني أن الثروة تُحاسَب لا تُقدَّس.
بناء الدولة في لبنان يبدأ بهدم الأصنام: لا قداسة لزعيم، لا حصانة لحزب، لا عذر لطائفة ولا نفوذ لراسمالي . يبدأ بإخضاع الجميع للقانون، بلا “خصوصيات” ولا “استثناءات”. بناء الدولة ليس بشعارات سيادية و عناويين اصلاحية و تكاذب وتذاكي سياسي .
الدولة الحقيقية العادلة مخيفة للكثير ممن اعتادوا على اكل لحوم البشر واحلامها البسيطة ايضا ، لأنها لا تُجامل أحدًا. ولهذا يكثر البكاء عليها، ويقلّ العمل لقيامها.
ما نعيشه اليوم ليس أزمة دولة، بل خوف جماعي منها. بسبب فقدان الثقة بمن ادارها و يديرها و بسبب عجقة الاجندات التي لا تغني ولا تُسمِن من جوع . وكل ما عدا الدولة، مهما طال عمره، ليس إلا تأجيلًا لانفجار قادم.


