ترامب في دافوس: حين تتكلم الإمبريالية بلسانها العاري ضياء الدين محمد أحمد لم يكن خطاب دونالد ترامب في دافوس مجرد انزلاق ل

عاجل

الفئة

shadow
ترامب في دافوس: حين تتكلم الإمبريالية بلسانها العاري

ضياء الدين محمد أحمد

لم يكن خطاب دونالد ترامب في دافوس مجرد انزلاق لغوي لرئيس شعبوي، بل كان وثيقة سياسية مكثفة تكشف طورًا تاريخيًا من تطور الإمبريالية الأمريكية: طور الانكشاف، حين تسقط الأقنعة الليبرالية وتتكلم السلطة بلغة السوق العارية، بلا وسائط أخلاقية ولا ديبلوماسية. لقد تحدث ترامب لا كرئيس دولة، بل كوكيل مباشر لرأس المال الاحتكاري، يرى العالم مجال تراكم، والدول وحدات تشغيل، والشعوب عقبات أو أدوات، والسيادة بندًا تفاوضيًا لا حقًا تاريخيًا. هذا ينسجم مع التحليل الماركسي للدولة بوصفها «لجنة لإدارة الشؤون المشتركة للبرجوازية» (ماركس وإنجلز، البيان الشيوعي).
حديثه عن غرينلاند لم يكن شذوذًا عن النظام العالمي، بل تعبيرًا صريحًا عنه. فالاستعمار لم ينتهِ، بل انتقل من شكله العسكري المباشر إلى شكله البنيوي المركب: استعمار عبر الضغط المالي، والعقود الأمنية، والاحتواء الجيوسياسي، وتحويل الجغرافيا إلى أصول مالية، والسياسة إلى صفقة، والحق إلى امتياز مشروط بمصالح رأس المال. هنا تتجسد الأطروحة الماركسية المركزية: الإمبريالية ليست سياسة عرضية، بل طور من تطور الرأسمالية حين تبلغ احتكار رأس المال وتصديره، فتتحول الدولة إلى جهاز إدارة للتراكم العالمي، لا إلى إطار سيادي للشعوب (لينين، الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية؛ هيلفردينغ، رأس المال المالي).
دافوس ذاته ليس فضاءً محايدًا للحوار، بل بنية فوقية لرأس المال المعولم: غرفة تنسيق للبورجوازية العابرة للقوميات، ومسرح لإعادة إنتاج الهيمنة، وواجهة تجميلية لنظام قائم على تراكم الثروة عبر الإفقار البنيوي للأطراف. هذا يتقاطع مع تحليل ديفيد هارفي لـ«التراكم عبر نزع الملكية» (Harvey, The New Imperialism)، ومع أطروحة أريغي حول انتقالات الهيمنة داخل النظام الرأسمالي العالمي (Arrighi, The Long Twentieth Century). أن يخاطب ترامب هذا المنتدى بلغة السوق والتهكم لا بلغة الدبلوماسية، فهذا لا يفضحه وحده، بل يفضح جوهر هذا الفضاء: حين يتوقف رأس المال عن التظاهر بالأخلاق، يظهر النظام في صورته العارية كعلاقة قوة لا كعلاقة قانون.
لكن التحليل لا يكتمل دون قراءة ردود فعل قادة المركز الإمبريالي أنفسهم، لأنها تكشف تصدع البنية الإمبريالية من داخلها. خطاب رئيس كندا، بلغة “التعاون المتعدد الأطراف” و”النظام القائم على القواعد”، لم يكن خروجًا على الإمبريالية، بل محاولة لإدارة أزمتها بأسلوب أكثر تهذيبًا. إنه خطاب إصلاحي داخل الإمبريالية، لا ضدها: يسعى إلى ترميم الشرعية لا إلى تفكيك الهيمنة، إلى تحسين شروط إدارة النظام لا إلى تغيير بنيته، إلى إعادة إنتاج التوازن داخل المعسكر الرأسمالي لا إلى تجاوز منطقه الطبقي. هذا يتوافق مع تحليل كارل بولاني حول محاولات “إعادة تضمين السوق” دون المساس بجوهره الرأسمالي (Polanyi, The Great Transformation)، ومع نقد والرشتاين للإصلاحية داخل النظام العالمي الرأسمالي (Wallerstein, World-Systems Analysis).
أما خطاب الرئيس الفرنسي حول “السيادة الأوروبية” و”الاستقلال الاستراتيجي”، فيعبر عن تناقض داخل المعسكر الإمبريالي نفسه: ليس تناقضًا بين إمبريالية وتحرّر، بل بين إمبرياليات متنافسة داخل منظومة واحدة. إنه صراع على إعادة توزيع النفوذ داخل بنية الهيمنة، لا على تفكيكها. هذا ينسجم مع أطروحة لينين حول تنافس الإمبرياليات داخل المرحلة الاحتكارية، ومع تحليل أريغي لتحولات مراكز القيادة داخل الرأسمالية العالمية. ومع ذلك، فإن هذا الخطاب، رغم أفقه البرجوازي الضيق، يكشف شرخًا حقيقيًا في قيادة المركز الرأسمالي العالمي، ويعبّر عن انتقال الهيمنة من طور القيادة التوافقية إلى طور السيطرة القسرية.
هنا يصبح انفعال ترامب وسخريته من ماكرون لحظة سياسية دالة لا نفسية عابرة. إن غضبه ليس غضب فرد، بل غضب بنية سلطوية حين تُشَكَّك في قيادتها، ولو من داخل النظام ذاته. إنه انفعال الإمبراطورية حين تفقد قدرتها على إنتاج القبول (hegemony) فتنتقل إلى فرض السيطرة (domination)، وفق التمييز الغرامشي بين القيادة الأخلاقية والهيمنة القسرية (غرامشي، دفاتر السجن). هذه هي اللحظة الغرامشية بامتياز: حين تموت القيادة القديمة ولا تولد الجديدة بعد، تظهر الوحوش. ترامب ليس سبب الأزمة، بل عرضها السياسي الأكثر فجاجة.
اقتصاديًا، تمثل قومية ترامب تعبيرًا عن قومية رأس المال لا عن قومية الشعب. فهو لا يدافع عن العامل الأمريكي، ولا عن المنتج الصغير، ولا عن الفئات المهمشة، بل عن رأس المال الاحتكاري الأمريكي في صراعه مع منافسيه داخل السوق العالمية. قوميته ليست تحررية، بل إمبريالية: قومية المركز ضد الأطراف، السوق ضد الإنسان، الربح ضد الحياة. هذا يتوافق مع تحليل ماركس للطابع الطبقي للقومية البرجوازية، ومع قراءة روزا لوكسمبورغ للتوسع الإمبريالي بوصفه شرطًا لبقاء التراكم الرأسمالي (لوكسمبورغ، تراكم رأس المال).
وهنا نصل إلى السؤال الحاسم: كيف يرشّح شعب مثل الشعب الأمريكي بتاريخ نضاله العمالي، وحركاته الحقوقية، وصراعاته الاجتماعية شخصيات من هذا الطراز التي تسيء إليه وإلى العالم؟ والإجابة، وفق التحليل الماركسي، ليست في وعي الأفراد بل في بنية النظام. فالديمقراطية البرجوازية ليست تعبيرًا عن الإرادة الشعبية، بل آلية تنظيم للصراع داخل الطبقة الحاكمة، يُستبعد منها الشعب ماديًا عبر احتكار الإعلام، وتمويل السياسة، وتفريغ الأحزاب من مضمونها الطبقي، وتحويل السياسة إلى عرض إعلامي لا إلى صراع اجتماعي. هذا ينسجم مع تحليل ماركس للتمثيل البرجوازي، ومع نقد لينين للديمقراطية البرجوازية بوصفها «حرية للأغنياء فقط»، ومع تحليل تشومسكي للدور البنيوي للإعلام في تصنيع القبول (Manufacturing Consent).
وحين تدخل الرأسمالية طور أزمتها التاريخية، فإنها تميل إلى إنتاج قادة استعراضيين، وخطابات عنصرية، وأعداء خارجيين، لتفريغ التناقضات الداخلية بدل حلها، وتحويل الصراع الطبقي إلى صراع ثقافي، والاحتجاج الاجتماعي إلى كراهية سياسية موجهة. هذا ما يسميه غرامشي “أزمة الهيمنة”، وما يقرأه هارفي بوصفه انتقالًا من إدارة الأزمة إلى سياسات صدمية تحافظ على شروط التراكم عبر العنف الرمزي والمادي (Harvey, A Brief History of Neoliberalism).
إن خطاب ترامب في دافوس لا يمثل انحرافًا عن النظام العالمي، بل تكثيفًا له في لحظة تعفنه التاريخي. إنه الإمبريالية حين تفقد قدرتها على الإقناع فتنتقل إلى التهديد، ثم إلى السخرية، ثم إلى العنف. وهو ليس إهانة لأوروبا فقط، بل إهانة للشعب الأمريكي ذاته، لأنه يحوّله من شعب إلى أداة، ومن مواطنين إلى جمهور، ومن بشر إلى أرقام في صفقات رأس المال. والسؤال الذي يجب أن نختم به هذا التحليل ليس: لماذا ترامب؟ بل: كيف يمكن لشعب أن يتحرر من قادته، إذا لم يتحرر أولًا من النظام الذي يصنعهم؟
22 يناير 2026

الناشر

شعلان اسماعيل
شعلان اسماعيل

shadow

أخبار ذات صلة