*الباحث في الاقتصاد السياسي أحمد بهجة كتب اليوم في جريدة البناء بعنوان:* *الفجوة المالية: أين الأموال؟*

عاجل

الفئة

shadow

تتردّد عبارة "الفجوة المالية" على الشاشات والمنصات، ويُكتب عنها الكثير على الصفحات والمواقع، ويهتمّ المسؤولون والخبراء والمحللون بالحديث عنها وتفنيد أصلها وفصلها، سلباً وإيجاباً، وإطلاق الآراء بشأن كيفية ردمها، بحيث يغلب عليها طابع التوقعات والتمنيات أكثر مما هي حلول مناسِبة وعادِلة وقانونية...
وليس بعيداً عن ذلك مشروع قانون "الانتظام المالي واسترداد الودائع" الذي أقرّه مجلس الوزراء وأحيل إلى المجلس النيابي، 
لأنّ هذا المشروع فيه أيضاً جانب من التوقعات والتمنيات التي لا تستند إلى أيّ واقع علمي وموضوعي، كأنّ الحكومة تعمل في مجال التحليل بينما مهمّتها وواجبها إيجاد الحلول المناسِبة ضمن الأطر القانونية المرعية الإجراء.
للوصول إلى ذلك لا بدّ من العمل على طريقة الأطبّاء، إذ يجب في البداية معرفة أصل المشكلة وأسبابها حتى يأتي وصف العلاج ليحلّ المشكلة لا ليزيد حالة المريض سوءاً قد يقضي عليه نهائياً، فلا يكون الطبيب عندها معالِجاً بل يكون جاهلاً حتى لا نقول مُجرماً...!
المشكلة الماثلة أمامنا هي "الفجوة المالية" الناتجة عن ضياع أموال المودعين من المصارف التجارية، والتي بلغ حجمها عند الانهيار الكبير في تشرين الأول 2019 نحو 187 مليار دولار (حوالى 65 مليار منها كانت مودَعة بالليرة اللبنانية والباقي بالعملات الأجنبية). 
وخلال أكثر من ستّ سنوات استطاعت المصارف بمساعدة مصرف لبنان أن تُذوّب جزءاً غير قليل من الودائع قد يصل إلى نحو 38 مليار دولار، بفعل سحوبات متتالية، إما بالشيكات التي كانت تُصرف بأقلّ من قيمتها بكثير وإما من خلال تعاميم مصرف لبنان التي تعطي المودع من حسابه بالقطارة خرجيّته الشهرية، فيما الودائع بالليرة اللبنانية لم يأتِ أحد على ذكرها، كأنّ المودعين بالليرة أتوا من كوكب آخر وليسوا مواطنين لبنانيين متساوين مع غيرهم بالحقوق والواجبات.
وبعملية حسابية سريعة يتبيّن أنّ حجم "الفجوة المالية" يصل إلى نحو 83 مليار دولار يوجد منها في مصرف لبنان نحو 9 مليارات دولار فيما لا يزيد حجم السيولة في المصارف أو في البنوك المراسلة في الخارج عن 4 مليارات دولار، بما يعني أنّ حجم الفجوة، أو الأموال الضائعة، هو تقريباً 70 مليار دولار.
السؤال الأول الذي يجب أن يطرحه كلّ مَن يحاول التعاطي مع هذه المعضلة هو: أين الأموال؟ ومن دون الإجابة الصحيحة والشفافة عن هذا السؤال يكون من المستحيل التوصّل إلى الحلّ المناسب والعادل والقانوني. لأنّ الابتعاد عن هذا السؤال وعدم الإجابة عليه بدقة يعني بكلّ بساطة أنّ هناك سعياً لتمييع الحقيقة وعدم إظهارها كاملة، كما يعني أنّ هناك أموالاً ستبقى ضائعة ولن يجدها أصحابها لا اليوم ولا بعد عشرين سنة كما يقول مشروع الحكومة.
بالتأكيد أنّ الإجابة الصحيحة والشفافة عن سؤال أين الأموال، 
ستكشف مَن هم المرتكبون والمخالفون، وستفتح الأبواب واسعة أمام إجراءات قانونية بحقّ هؤلاء على اختلاف مستوياتهم، وهم كما ينص قانون النقد والتسليف أصحاب المصارف وأعضاء مجالس الإدارة والمدراء المخوّلون بالتوقيع في المراكز الرئيسية والفروع.
ولا بدّ أن تبيّن الإجراءات القانونية حجم ارتكابات ومخالفات هؤلاء، وربما هناك تفاوت في ما بينهم، لأنّ منهم مَن ارتكب الجرائم المالية الكبيرة ومنهم مَن نفّذ تعليمات رؤسائه وغير ذلك من مسؤوليات قد تترتب على كلّ منهم وفق ما تحدّده الأحكام النهائية.
والأكيد أيضاً أنّ التحقيق والتدقيق سيكشف دور مَن هم فوق المصارف، أيّ المسؤولين في مصرف لبنان وفي الدولة بشكل عام، لأنّ السياسات الخاطئة وضعتها الحكومات المتعاقبة وحاكمية مصرف لبنان على مدى ثلاثة عقود، ما سهّل للمصارف مخالفة القوانين ومراكمة مليارات الدولارات في حسابات أصحابها وشركائهم من سياسيين وإعلاميين ورجال دين وغيرهم.
الخلاصة أن لا حلّ لـ "الفجوة المالية" ولغيرها من المشاكل والأزمات إلا بالقانون ولا شيء غير القانون، وكلّ الباقي ليس سوى تقطيع للوقت...

الناشر

علي نعمة
علي نعمة

shadow

أخبار ذات صلة