*مصرف الإسكان اللبناني: راتب المدير العام يفوق الحد الأدنى للأجور بـ83 ضعفًا*

عاجل

الفئة

shadow

بينما يرزح اللبنانيون تحت واحدة من أسوأ الأزمات المعيشية والسكنية في تاريخ البلاد، يتحوّل مصرف الإسكان،
المفترض أن يكون مؤسسة اجتماعية داعمة لحق السكن، 
إلى نموذج صارخ لانفصال الإدارة عن الواقع. ففي بلد لا يتجاوز فيه الحد الأدنى للأجور 300 دولار أميركي، يتقاضى المدير العام لمصرف الإسكان، أنطوان حبيب، راتبًا شهريًا مع متمماته يناهز 25 ألف دولار، أي ما يعادل أكثر من 83 ضعف الحد الأدنى للأجور، 
في مفارقة تختصر حجم الخلل الأخلاقي والإداري في مؤسسات يفترض أنها وُجدت لخدمة الفئات الأكثر حاجة.

هذا الرقم لا يمكن التعامل معه كمسألة تقنية أو قرار إداري داخلي، بل كقضية رأي عام، خصوصًا أن مصرف الإسكان ليس مصرفًا تجاريًا بحتًا، بل مؤسسة ذات طابع اجتماعي تعتمد في تمويلها على قروض دولية بضمانة الدولة اللبنانية.
أي أن المال المستخدم في تشغيل المصرف ورواتبه، بشكل مباشر أو غير مباشر، مرتبط بالمال العام وبالتزامات الدولة تجاه الجهات المانحة.

الأكثر خطورة أن هذا الراتب المرتفع يُدفع في وقت يعجز فيه عشرات الآلاف من اللبنانيين عن الحصول على قرض سكني، رغم الترويج الإعلامي لرفع سقف القروض إلى 100 ألف دولار بتمويل من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي. 
فبحسب الأرقام المتداولة، لم تستفد فعليًا سوى 36 عائلة فقط من هذه القروض حتى منتصف عام 2025، من أصل آلاف الطلبات المقدّمة، نتيجة شروط تعجيزية أبرزها اشتراط دخل مرتفع بالدولار وإثباته مصرفيًا لمدة سنتين في بلد انهار فيه النظام المصرفي بالكامل.

وإذا كان مصرف الإسكان يبرّر سياساته بالحفاظ على الاستدامة المالية، فإن السؤال الجوهري يبقى: كيف يمكن تبرير راتب شهري بقيمة 25 ألف دولار لمدير مؤسسة اجتماعية، في وقت يعيش أكثر من 80% من اللبنانيين تحت خط الفقر،
ويعمل موظفو القطاع العام والعسكريون والمعلمون برواتب لا تكفي لتأمين الحد الأدنى من العيش الكريم؟

الهوة بين راتب المدير العام والحد الأدنى للأجور ليست مجرد رقم، بل مؤشر على خلل بنيوي في سلم الأولويات. فمصرف الإسكان، بدل أن يكون أداة لتخفيف الأزمة السكنية، بات يُدار بعقلية امتيازات، مستفيدًا من تركيبته القانونية الهجينة التي تسمح له بالتحلل من الرقابة المسبقة، فيما يستفيد في الوقت نفسه من الضمانة السيادية للدولة للحصول على قروض ميسّرة.

اللافت أن هذا الواقع أثار اعتراضات علنية من هيئات مهنية، اعتبرت أن ما يحصل يشكّل خيانة للثقة والدور الاجتماعي للمصرف، مطالبة بفتح تحقيق شفاف في آلية تحديد الرواتب والمكافآت، 
وتحديد الجهة التي وافقت على هذا المستوى من الإنفاق الإداري في ذروة الانهيار.

في المحصلة، لا يمكن فصل أزمة السكن في لبنان عن نموذج الإدارة المعتمد في مصرف الإسكان. 
فحين يتقاضى مدير مؤسسة اجتماعية راتبًا يوازي دخل 83 عائلة لبنانية تعيش على الحد الأدنى للأجور، يصبح الحديث عن العدالة الاجتماعية فارغًا من مضمونه. 
إن استعادة الثقة تبدأ من مساءلة واضحة وبسيطة:
بأي حق، وبأي معيار، يُمنح هذا الراتب في بلد لم يعد فيه السكن حقًا، بل حلمًا بعيد المنال؟

الناشر

علي نعمة
علي نعمة

shadow

أخبار ذات صلة