*"إنتخبونا" ...لنجلدكم بالضرائب والرسوم!*
*الدكتور نسيب حطيط*
تعاني الأحزاب وقياداتها والحكومة ووزراؤها ومجلس النواب من حالة مرضية فريدة أصابت المواطنين والمنتسبين إليها، وتتجلى أعراضها في الإستسلام والطاعة المطلقة والتخدير العقلي وعدم إظهار أي رد فعل تجاه الأذى أو الضرر الذي يلحق بهم، فكلما تعرّض منتسبو الأحزاب "للجلد"، سواء بشكل مباشر أو عبر قوانين ومراسيم تصدر عن الحكومة ومجلس النواب، صفقوا وأعلنوا استعدادهم، لفداء القادة والزعماء بالأرواح والدماء.
يعيش الشعب اللبناني، وخاصة المنتمين للأحزاب، حالة من الغيبوبة السياسية والتنازل عن الدفاع عن حقوقهم، فهم لا يتحركون للمطالبة باستعادة ودائعهم المسروقة من المصارف أو رواتبهم التي استولت عليها الحكومة بأحزابها ومؤسساتها، ولا يتحركون احتجاجًا على فرض الضرائب المتتالية التي تهدف إلى تجويعهم أو تهجيرهم خارج البلاد وسلب حقوقهم، لكن هذه الجماهير الحزبية والطائفية والمذهبية تستيقظ من سباتها العميق ، إذا تم تحريضها طائفيًا أو حزبيًا للدفاع عن زعيم أو قائد أو لحماية وزير أو نائب أو مسؤول فاسد ومقصر وفي سبيل حماية هؤلاء، يبذلون الأرواح والأرزاق، ويسارعون لتنظيم وقفات ومهرجانات تضامنية تهدف إلى تضليل الناس وتوهمهم بأن الفاسد مُستهدفٌ لمواقفه السياسية والمذهبية وفي المقابل، لا تدعو هذه الجماهير إلى أي وقفة احتجاجية تنديدًا بالضرائب التي تذبح الناس قبيل حلول شهر رمضان المبارك، والتي تمثل "عيدية" متفجرة ستدمر ما تبقى من مدخراتهم واسوارهم ومحابس الزواج وممتلكاتهم، وتدفعهم لبيعها لتأمين الخبز والدواء وأجرة النقل، ليعودوا وينتخبوا نفس المسؤولين تحت شعار(أطع حاكمك ولو ضرب ظهرك وأخذ مالك)!.
يعيش قادة الأحزاب والمسؤولون الحكوميون، حالة من القلق الزائف على الناس، فيظنون أنهم فارقوا الحياة لعدم سماع أي صوت اعتراض أو صراخ وهم يجلدونهم بسياط الضرائب والقرارات الجائرة، فيبادرون إلى وخزهم بضرائب وقرارات جديدة أشد قسوة وألمًا، عسى أن يصرخوا معلنين عن بقائهم على قيد الحياة، مما يريح الحكومة والأحزاب، ليتم سوق هؤلاء الناس إلى صناديق الاقتراع وإلزامهم بانتخاب الفاشلين والفاسدين الذين جرّبوهم، وإلا سيتم اتهامهم بطعن المقاومة والخيانة للطائفة، فالمعادلة التي يعملون بها تقوم على مبدأ من لا ينتخب الفاسد فهو عميل للسفارات والعدو الإسرائيلي، أما من يرشّح الفاسد ويحميه فهو من روّاد المقاومة والإصلاح السياسي والاجتماعي!
لقد استولت الحكومة ومجلس النواب، بأحزابه المتعددة، على ودائع الناس، وما جمعه المقيمون والمغتربون بعرق جبينهم، وذلك بعد أن طمأنهم المسؤولون بامتلاك لبنان لأفضل نظام مصرفي في العالم ،يُسهّل سرقة الناس،دون تحمل أي مسؤولية،كما سرقت الحكومة ومجلس النواب رواتب الموظفين العسكريين والمدنيين والمتقاعدين، مما ألحق أضراراً اجتماعية ومعنوية ومادية جسيمة وأُهين من كان عزيزاً وكريماً ومكتفياً مادياً، وحُوّل هؤلاء الموظفون، الذين لم يسرقوا شيئاً، إلى متسولين، وسُلبت كرامتهم، وتعرضوا للإعدام البطيء اجتماعياً ومادياً،ثم يُطلب منهم النزول إلى صناديق الاقتراع تحت شعارات "منع الضرائب" ومقاومة الاستعمار والاحتلال. والسؤال ... هل يمكن للوصولي الفاسد، والمرتزق، والمُستأجر، والتاجر السياسي والديني، أن يحمي المقاومة أو يحمي وطناً؟
الضرائب تلو الضرائب، والقذائف تلو القذائف، والاغتيالات تلو الاغتيالات، للقضاء على ما تبقى من وطن وشعب ومجتمع مقاوم.
إن حماية المقاومة وتأمين مقومات صمودها وتجديدها لا يتم بالسلاح وحده، بل بتأمين رغيف الخبز وحبة الدواء وشربة الماء، فلا يمكن لمجتمعٍ منهكٍ وفقير يبحث عن لقمته ودوائه أن يصمد طويلاً أمام الحصار الخارجي والفساد الداخلي، فالأمن الاجتماعي لا يقل أهمية عن الأمن العسكري والأسوأ أننا، إذا كنا عاجزين عن تأمين أمنه العسكري، نشارك في الهجوم على أمنه الاجتماعي والاقتصادي، فنصمت في مجلس الوزراء أو نتحفظ أو نؤيد، ثم نبادر "للإنتشار" الحزبي والنيابي والوزاري في الحسينيات والاحتفالات، ونستنكر فرض الضرائب، ونشتم الحكومة ومجلس النواب الذين نشارك في قراراتهما!
إذا لم تستيقظ الناس من حالة الإغماء السياسي والتعصب الطائفي والحزبي الذي يحاصرها ويخنقها ويسلبها حقوقها ومكاسبها، ولم تنتفض على من يمثلها لتغيير سلوكياتهم و الضغط عليهم ،لإستبدال مرشحيها الفاسدين والمقصرين والأميين، فعليها أن تصمت وألا تعاتب أحداً، وألا تدعو الله أن ينصرها ما لم تنصر نفسها، وما لم تطع الله سبحانه الذي أمرها بعدم الركون والموالاة للظالمين والفاسدين فأدارت ظهرها لله ورسوله وأطاعت حزبها وقائدها، فصارت على مشارف الأخسرين أعمالاً في الدنيا والآخرة.
سيستمر نداء الأحزاب وقادتها ومسؤوليها "انتخبونا... لنجلدكم، بالضرائب والرسوم"، فتصدح السنة الناس "سمعًا وطاعة... (اجلدونا وأهينونا... فإن شعبنا ،سَيجهَل أكثر فأكثر)".


