*الملف الإيراني يكشف لبنان مُجدّداً: ليس لدى المسؤولين هنا من يراسلهم؟*
*إبراهيم الأمين - الأخبار*
توقّف رنين الهواتف في بيروت. ليست المشكلة تقنية، بل لأن الطرف الآخر خلف البحار ليس على السمع. والسبب واحد: العالم منشغل اليوم بما سيكون عليه الوضع بين الولايات المتحدة وإيران… إنه ليس وقت لبنان الآن!
قد يكون في لبنان من هو مستاء من هذه المعادلة. لكنّ الحقيقة هي أن تفرّغ الكرة الأرضية لسبر أغوار حاكم البيت الأبيض، لا يُبقي مكاناً لشيء اسمه «الملف اللبناني». حتى دونالد ترامب نفسه تحدّث عن لبنان، باعتباره ملفاً يمكن علاجه في إطار التسوية الشاملة.
ورجاله في المنطقة يكرّرون لازمة أن لبنان ليس بمقدوره البقاء خارج مشروعه للسلام في الشرق الأوسط. لكنّ ترامب، لا يجد على طاولته ملفات يومية تحمل اسم لبنان، وهي معضلة اللبنانيين الأساسية. كل من زار العاصمة الأميركية في الأسابيع الماضية، عاد بخلاصة واحدة: ليس عندنا رجل على أذن ترامب!
عملياً، جاء القرار الأميركي باحتواء إيران كجزء مركزي في خطته لفرض السيطرة على المنطقة باسم «مجلس السلام العالمي»، ليفتح أمام اللبنانيين فرصة يستغلّها كل طرف وفق حساباته. في رأس الدولة، والحكومة، تسري الأنباء عن «انتظار الحدث الكبير»، بينما يفرك خصوم حزب الله أيديهم، علّ الحرب الأميركية على إيران تقضي على أي فرصة لحزب الله للبقاء على قيد الحياة، وسط حفلة من التحليل السياسي «على الطريقة اللبنانية» حيث التفكير الرغبوي يسيطر على عقول السياسيين، والتركيز على أن الحرب حاصلة حتماً، وعندها سيتقرّر مصير حزب الله، فإن أقدم على «إسناد ايران» فسيتلقّى الضربة القاضية مع أضرار تصيب لبنان، وفي حال لم يفعل، فإن انهيار إيران سينعكس انهياراً تلقائياً في صفوفه، وعندها لا يحتاج لبنان إلى خطة لنزع السلاح. ومشكلة أصحاب هذا الرأي أنهم عندما يتحدّثون عن المقاومة، يختصرون الأمر بالسلاح، غير آبهين بالناس والمجتمع ولا حتى بموقع المقاومة في اقتصاد لبنان الراهن.
وبينما تضرب القوى السياسية في الرمل لمعرفة ما الذي يحصل، يظهر على اللوحة طرف واحد في الدولة، وهو الجيش، يمكن القول إنه المستفيد الأكبر من هذه الاستراحة. فهو لم يكن أصلاً في حالة جهوزية للسير في لعبة التجاذب السياسي بشأن المرحلة الثانية من ملف خطة حصر السلاح. وزيارة قائده العماد رودولف هيكل إلى العاصمة الأميركية، أتاحت له فرصة أن يشرح للمعنيين، من أمنيين وعسكريين وسياسيين، أن لبنان لا يمكن له أن يُحصر بين خيارين: إمّا حرب إسرائيلية مدمّرة، أو حرب أهلية مدمّرة. وهو قدّم تصوّراً أولياً عن علاج يمكن أن يجنّب لبنان ويلات الخيارين. لكنه عاد بشعور جيد إزاء مستوى تفهّم الأميركيين لموقفه من ملف السلاح.
*نجحت قيادة الجيش في توضيح الحقائق للأميركيين واستفادت من الانشغال بالملف الإيراني لوضع ملف شمال الليطاني في الثلّاجة*
وإذا كان النقاش انتقل إلى مرحلة البحث في شكل الدعم المُفترض توفيره للجيش من أجل تعزيز قدراته، فإن المؤشرات الفعلية إلى ما يمكن أن يخرج به مؤتمر باريس، لا تشير إلى حلول فعلية، إذ إن قيادة الجيش قالت للجميع إنها تحتاج إلى دعم لموازنتها المالية، لكنها تفضّل أن يخرج المؤتمر بقرارات تسمح بتزويد الجيش بقدرات ومعدّات وعتاد لا أن يصار إلى ربط رواتب العسكريين بالمنحة الخارجية. وتعي قيادة الجيش، في هذه النقطة تحديداً، التأثير المعنوي والمادي والسياسي على مؤسسة تصبح رواتب العاملين فيها أسيرة منحة خارجية، بينما تقع هذه المسؤولية على عاتق الدولة فقط.
ومع ذلك، فإن نتائج زيارة هيكل إلى واشنطن، والانشغال العام بالملف الإيراني، ساعدا المؤسسة العسكرية على صياغة مخرج لائق قبل موعد الجلسة الأخيرة للحكومة، حيث فهم الجميع بأنه لا وجود لخطة عمل شمال نهر الليطاني كما كان الوضع عليه جنوب النهر، وأن كل ما يقدر الجيش على القيام به هو بذل المزيد من الجهد لتثبيت وجوده وقوته في جنوب النهر، وقد أبلغ قائد الجيش الحكومة أنه ليس بصدد سحب قوات من المناطق الحدودية لنشرها في مناطق أبعد، لينتهي النقاش عملياً إلى ما مفاده أن الجيش يحتاج إلى مزيد من الوقت لكي يضع خطة واضحة، لكنه سيلتزم بتنفيذ القرار الأساسي بمنع أي مظاهر مسلّحة في كل لبنان، ما يشمل منطقة ما بين نهرَي الليطاني والأولي.
*ستاتيكو يفيد ويُربِك*
بالنسبة إلى القوى الرئيسية، فإن حالة الانتظار القائمة على خلفية الملف الإيراني، خلقت نوعاً من الستاتيكو على أطراف الملفات الكبرى، ومنها لبنان، ما انعكس بطالة فعلية في السياسة اللبنانية، لولا الخرق الذي أحدثته زيارة الرئيس سعد الحريري وإبلاغه من يهمّه الأمر أنه معنيّ بالعودة إلى العمل السياسي، لكن وفق إيقاعه الخاص. والحريري نفسه، يستند ضمناً إلى اللحظة الإقليمية المُربِكة لأطراف كبرى مثل السعودية، ولذلك، جاء طارقاً الباب وإن كان يعرف مُسبقاً الجواب الأول عليه.


