يمكن وصف الأيام الثلاثة الماضية بأنها من "أيام الله"، كونها شهدت جملة أحداث وتطورات مهمة جداً، حيث سجلت المقاومة أكثر من محطة مضيئة وسط هذا الظلام الدامس الذي يرافق العدوان الإسرائيلي الهمجي والوحشي والبربري ضدّ لبنان وأرضه وشعبه.
ومن أبرز المحطات كانت المعركة البطولية التي خاضتها المقاومة والأهالي في بلدة النبي شيت في بعلبك، حيث تصدّوا ببسالة مشهودة وأفشلوا عملية الإنزال الكبيرة التي نفذها جيش العدو في المنطقة.
وفي الموازاة كان عمالقة المقاومة ولا يزالون يسجلون الملاحم الحاسمة ضدّ جيش العدو ومحاولاته المتكرّرة للتوغل في أكثر من نقطة حدودية، أبرزها في عيترون الأحد وفي مارون الراس السبت وقبلها في الخيام حيث أدّت هذه المواجهات الموصوفة إلى تراجع جيش العدو واندحاره إلى خلف الحدود.
كذلك يُسجّل أبطال المقاومة يومياً الكثير من الرمايات الدقيقة، سواء لاستهداف تجمعات عسكرية للعدو على خطوط القتال الحدودية، أو القصف المركز بالصواريخ والمُسيّرات إلى الداخل الفلسطيني المحتلّ، وما يلفت النظر أنّ بعض هذا القصف يكون منسقاً ومتزامناً مع القصف الإيراني الدقيق لأكثر من موقع إسرائيلي معادٍ على امتداد الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948.
أما وجع النزوح الذي نتعرّض له مع أهلنا في الجنوب والضاحية والبقاع، فهو فوق الوصف ولا يمكن للكلام أن يُعبّر عن حجم المعاناة، خاصة أنها خليط من حزن على ترك البيوت والقرى والبلدات والذكريات، وقهر تمارسه دولة متعامية وغائبة عن السمع والبصر، وقلق على الآباء والأبناء الذين يتولّون المواجهة على الثغور الأمامية وخلف المُسيّرات والصواريخ، بإرادة فولاذية وزنود حديدية وقلوب ونفوس عامرة بالإيمان والوطنية الصافية...
لقد عشنا طوال الأشهر الـ 15 الماضية على الوتيرة نفسها، اعتداءت يومية وشهداء وجرحى ودمار وخراب، وأكثر من 100 ألف نازح لم يعودوا إلى قراهم وأرضهم منذ أيلول 2024، كلّ هذا ولم يسأل أحد عن هؤلاء الناس، لا الدولة التي ضربت على صدرها وقالت إنها هي المسؤولة عن قرار الحرب والسلم، وعن أيّ سلم يتحدثون ويفرضون في حين أنّ آلة القتل والإجرام الإسرائيلية لم تتوقف على الإطلاق؟ ولا الدول الضامنة استحقت هذا الوصف بالفعل، لأنها لم تضمن شيئاً بل كانت تأتينا كلّ يوم بنغمة جديدة، تارة مقولة "خطوة مقابل خطوة"، وتارة أخرى ورقة أميركية جرت ترجمتها في خطيئة 5 و 7 آب الماضيين، ورغم ذلك لم يؤدّ القبول بكلّ هذا إلى إلزام العدو بتطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية المعلن في 27 تشرين الثاني 2024.
وفي حين أعلنت المقاومة أكثر من مرة أنّ صبرها له حدود، وأنها أنجزت ترميم القدرات، كان لا بدّ من انتفاضة تقلب الطاولة وتغيّر هذا الواقع، خاصة أنّ الأمر لم يقتصر على استمرار الحرب بل ترافق أيضاً مع إجراءات حكومية ومصرفية داخلية للمساهمة في حصار المقاومة والضغط عليها وعلى بيئتها من خلال منع وصول الأموال ومنع الإعمار وعدم الاهتمام بالأسرى...
أتت اللحظة المناسبة في ذروة الحرب الكبرى في المنطقة، التي بدأت بعدوان أميركي إسرائيلي ضدّ إيران، ما أدّى إلى إشعال المنطقة كلها، بحيث شملت الحرب أكثر من 15 دولة، حيث تخوضها بشكل مباشر الولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة، وإيران والمقاومة في لبنان والعراق من جهة أخرى، وتشترك فيها بشكل غير مباشر: دول الخليج الستّ: السعودية والكويت والإمارات وقطر والبحرين وعُمان، والأردن وإقليم كردستان وقبرص وأذربيجان، وفي الخلفية دائماً كلّ دول العالم على الضفتين.
وإذا كان صحيحاً أنّ الدخول في الحرب مكلف من كلّ النواحي الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية، فإنّ الصحيح أيضاً أنّ الحروب لا تستمرّ إلى ما لا نهاية، ولا بدّ أن تأتي لحظة تتوقف فيها هذه الحرب بتسوية ما، وبطبيعة الحال سوف تشمل هذه التسوية كلّ المشاركين ومن ضمنهم لبنان طبعاً، وهذا يعني أنّ قرار الدخول في الحرب هو قرار صائب تماماً رغم كلفته الكبيرة على بيئة المقاومة تحديداً، ولكن هذه الكلفة كانت البيئة تدفعها يومياً، ولم يكن هناك أيّ حلّ في الأفق لوقف هذا النزف المستمرّ، وهذا ما يجعل البيئة تتحمّل الكلفة الزائدة حتى تتخلّص من كلّ ذلك بشكل نهائي...





