*الباحث في الاقتصاد السياسي أحمد بهجة كتب اليوم في جريدة البناء بعنوان: القنبلة الاقتصادية الإيرانية...*
تنتشر على مواقع التواصل مواقف وفيديوات عديدة تسخر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يعلن كلّ يوم عدة مرات أنه انتصر على إيران ودمّر كلّ قواتها الجوية والصاروخية والبحرية، حتى يكاد يقول إنه مسح إيران عن وجه الأرض، لكن الوقائع تكذّبه وتصدمه مع استمرار القدرات الإيرانية بإثبات نفسها في كلّ الميادين، سواء بإطلاق المزيد من الصواريخ والمُسيّرات على القواعد الأميركية في المنطقة، وعلى كلّ المواقع الصهيونية في طول الكيان وعرضه، أو على صعيد التأييد الشعبي الواسع للقيادة الإيرانية، وهذا ما ظهر جلياً في مسيرات يوم القدس العالمي يوم الجمعة الفائت في كلّ المدن والساحات الرئيسية وبمشاركة معظم القادة الرئيسيين في البلاد الذين نزلوا وساروا بين الناس بكلّ أريحية، خلافاً لما يحصل في الكيان حيث تنقطع أخبار مسؤوليه لا سيما بنيامين نتنياهو الذي تُطرح علامات استفهام حول مصيره؟
أحد الساخرين يردّ على الذين يسألون عن إنجازات ترامب في هذه الحرب، ويقول إنّ الرئيس الأميركي أنجز قصف مدرسة للبنات، وخسر جميع القواعد الأميركية في الخليج، وفقدَ راداراته وأنظمة دفاعه الجوي، ودمّر تل أبيب وحيفا بل الكيان كله، وسلّم السيطرة على مضيق هرمز لإيران، ورفع الأسعار العالمية للنفط، وألغى العقوبات عن روسيا في محاولة لخفض أسعار النفط...!
ويضيف هذا الساخر سائلاً: أليست كلّ هذه الإنجازات مادة يستطيع ترامب التفاخر بها أمام الرأي العام الأميركي والعالمي؟
وهناك آخرون يسألون عن الأهداف الأربعة التي حاول ترامب خلال المفاوضات فرضها على إيران وهي المتعلقة بوقف برنامجها النووي، وإنهاء قدراتها الصاروخية البعيدة المدى، والتوقف عن دعم ورعاية قوى المقاومة في المنطقة، وإدخال إصلاحات إلى النظام السياسي الإيراني...!
ولما كانت إيران قد فرضت إيقاعها على المفاوضات، واشترطت أن لا تشمل إلا التفاوض على البرنامج النووي وأبدت الاستعداد كما دائماً لإعطاء الضمانات اللازمة بأنها لن تنتج أسلحة نووية مقابل أن ترفع الولايات المتحدة العقوبات عن إيران، واستعادة المسار الذي كان قد بدأ بعد توقيع الاتفاق النووي مع الـ (5 1) في عهد أوباما عام 2015، قبل أن يلغيه ترامب عام 2018.
وجد ترامب نفسه أمام مأزق كبير مع الصلابة التامة من قبل المفاوض الإيراني، وقرّر التجاوب مع المطالبات الإسرائيلية الدائمة بشنّ الحرب على إيران لتحقيق الأهداف المذكورة، ولكن حساب الحقل لم يطابق حساب البيدر، وها هي علامات الخسارة تبدو واضحة في مقابل علامات الصمود والتصدّي والانتصار من قبل إيران وحلفائها وخاصة المقاومة في لبنان التي شكلت المفاجأة الأكبر في هذه الحرب.
وإذا كان هدف الحرب منع إيران من إنتاج قنبلة نووية لا تريدها هي أصلاً، فإنّ هذه الحرب نفسها سمحت لإيران بأن تُظهِّر للعالم أجمع أنها تمتلك قنبلة اقتصادية لها مفعول كبير جداً على مستوى العالم بأسره، وهي قنبلة مضيق هرمز.
وبالعودة إلى لبنان لا بدّ من الإشارة إلى المسؤوليات التي يجب أن تقوم بها الحكومة تجاه الناس، ليس فقط على صعيد الاهتمام بالنازحين، وهذه مسألة في غاية الأهمية، بل أيضاً تستطيع الحكومة اتخاذ إجراءات أساسية للتخفيف من الأعباء عن كاهل اللبنانيين جميعاً،
ففي هذه الظروف الصعبة والقاسية من الضروري جداً أن تعيد الحكومة النظر بالرسوم المفروضة على أسعار المحروقات، وتحديداً على البنزين، خاصة مع الارتفاع الكبير في أسعار البترول عالمياً نتيجة الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية ضدّ إيران، والتي أدّت في أحد أهمّ تأثيراتها على حركة العبور من مضيق هرمز الذي يمرّ عبره نحو 25% من تجارة النفط البحرية في العالم و20% من شحنات الغاز الطبيعي المُسال، وغير ذلك من سلاسل توريد تطال سلعاً وبضائع أساسية، الأمر الذي يؤدّي حكماً إلى تأثيرات كبيرة ومتتالية في الاقتصاد العالمي برمّته، وتطال هذه التأثيرات نسبة كبيرة من تجارة الأسمدة والمواد الصناعية مثل الألمنيوم والكبريت والأمونيا. كذلك تؤدّي فرملة الملاحة في مضيق هرمز إلى رفع تكاليف الإنتاج الزراعي والصناعي، مما يؤثر في أسعار العديد من السلع الاستهلاكية، من الغذاء إلى الملابس والمعدات الطبية وغير ذلك...
من هنا نرفع الصوت ونطالب الحكومة اللبنانية بتخفيف الأعباء عن المواطنين في ظلّ هذه الحرب وما خلّفته من ظروف معيشية خانقة، وأوّل الإجراءات يكون بالعودة عن قرارها رفع الرسوم على البنزين، والذي يُعتبَر ضريبة مقنّعة على اللبنانيين، بما يتركه من أثر على القدرة الشرائية وما يسبّبه من تضخم، علماً أنّ التضخم بحدّ ذاته يمثل ضريبة يدفعها المواطن من لقمة عيشه...


