*الباحث في الاقتصاد السياسي أحمد بهجة كتب في جريدة البناء بعنوان: تبدّلت عناوين الحرب وخيبات المعتدين واحدة...*
مع دخول الحرب الكبرى في المنطقة أسبوعها الرابع، تبدّلت العناوين لكن المعتدين لم يحصدوا إلا الانكسارات والخيبات سواء في الميدان أو على الصعيد السياسي والاقتصادي في العالم أجمع.
بدأ العدوان الأميركي ـ الإسرائيلي على إيران برفع أربعة عناوين كانت هي نفسها التي أراد الأميركيون دائماً أن يتمّ التفاوض عليها مع الإيرانيين، وهي:
ـ البرنامج النووي الإيراني،
ـ البرنامج الصاروخي الإيراني،
ـ وقف دعم إيران لحلفائها في المنطقة،
ـ إدخال إصلاحات أساسية على النظام السياسي الداخلي في إيران.
طرحت الولايات المتحدة هذه العناوين قبل المفاوضات في العام الماضي، ولما لم توافق طهران على جدول الأعمال هذا رضخت واشنطن ووافقت على أن ينحصر التفاوض بالملف النووي من جهة وبرفع العقوبات المفروضة على إيران من جهة أخرى.
وقامت المفاوضات يومها على هذا الأساس، وعُقدت خمس جولات غير مباشرة بوساطة عُمانية، وكانت الجولة الخامسة في أواخر أيار 2025 في روما، حيث وصفها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأنها "الأكثر مهنية". واتفق الجانبان على أن تُعقد الجولة السادسة في 15 حزيران، وإذ بالعدو الإسرائيلي يستبق ذلك بشنّ عدوان غادر على إيران فجر 13 حزيران 2025 بدعم كامل ومعلن من الولايات المتحدة التي لم تتدخل مباشرة إلا بعد 12 يوماً حين تولت قصف المنشآت النووية الثلاث في فوردو ونطنز وأصفهان، وردّت إيران بضرب قاعدة "العديد" الأميركية في قطر، لتنتهي تلك الحرب من دون اتفاق على وقف إطلاق النار، بل بتنفيذ شرط إيران بأن يتوقف العدوان عليها أولاً حتى توقف هي الردّ، وهكذا كان...
بقيَ الجمر تحت الرماد، ولم تفلح الوساطات العديدة لتليين المواقف واستئناف المفاوضات من جديد، بل على العكس وجدت إيران نفسها في مطلع العام الحالي أمام محاولة استهدافها من الداخل عبر تجنيد بعض المجموعات لإثارة القلاقل وهزّ الاستقرار... لكن السلطات المعنية تمكنت من مواجهة الأمر وانتهت تلك المحاولة في مهدها بكلّ ما فيها من تفاصيل لا مجال لذكرها في هذا المقال.
بعد ذلك... نجح الوسطاء في مساعيهم، وشهد شهر شباط الماضي ثلاث جولات من المفاوضات، أيضاً على الملف النووي حصراً، ودائماً بوساطة عُمانية، عُقدت الأولى في مسقط في 6 شباط، والثانية في 18 شباط في جنيف التي شهدت الجولة الثالثة في 26 شباط، وأعلن وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي في اليوم التالي من واشنطن أنّ المفاوضات حققت تقدّماً كبيراً، وأنّ مفاوضات تقنية ستجري بين الخبراء يوم الاثنين في 2 آذار على أن تعقد الجولة الرابعة يوم الخميس في 5 آذار...
وهذه المرة أيضاً كان الغدر سيد الموقف، حيث شنّت الولايات المتحدة و"إسرائيل" في 28 شباط عدواناً واسعاً على الجمهورية الإسلامية أدّى في يومه الأول إلى استشهاد الإمام السيد علي خامنئي ومعه عدد من أفراد عائلته ومستشاريه ومعاونيه، لكن هذا الثمن الغالي لم يدفع إيران إلى الاستسلام، كما كان يرغب ويخطط الأعداء، بل على العكس فقد أعطى الاستشهاد زخماً أقوى للمواجهة، حيث لم تمضِ ساعتان حتى بدأ الردّ الإيراني القوي على كيان العدو وعلى الأهداف الأميركية المنتشرة في منطقة الخليج سواء القواعد أو القطع البحرية.
وبدا واضحاً جداً من الأيام الأولى للحرب أنّ الأهداف التي وضعها المعتدون لن يتحقق أيّ منها، وأنّ إيران قادرة على الصمود والمواجهة، ولديها من القدرات والإمكانات ما يجعل يدها هي العليا، ويجبر الأعداء على التراجع، وهذا ما حصل بالفعل حيث غادرت أو هربت حاملات الطائرات الأميركية العملاقة، وأقفلت أكثر من قاعدة في دول الخليج وذهب مَن كان فيها إلى الفنادق أو إلى شقق سكنية، أو غادروا إلى دول أخرى كما حصل ويحصل مع القواعد الأميركية في العراق حيث ينتقل مَن فيها إلى تركيا ومنها يعودون خائبين إلى الولايات المتحدة.
وما ان أتى الأسبوع الثالث حتى تبدّلت عناوين الحرب، وبات العنوان الرئيسي هو إقفال مضيق هرمز أمام ناقلات النفط العائدة للدول المعتدية على إيران أو المؤيدة للعدوان. ومعلوم أنّ مضيق هرمز هو شريان حيوي للاقتصاد العالمي حيث يمرّ عبره يومياً إلى الأسواق العالمية أكثر من عشرين مليون برميل من النفط وأكثر من 20% من الغاز.
ولذلك تصاعدت المواقف الدولية التي تطالب الولايات المتحدة و"إسرائيل" بوقف الحرب، وبدأت العروض تتوالى بوساطة من هنا واقتراحات حلول من هناك، فيما إيران صامدة وثابتة على مواقفها، مع إظهارها المزيد من الاقتدار والقوة، خاصة مع انتخاب السيد مجتبى خامنئي مرشداً أعلى ومع تعيين قادة جدد في المواقع التي استشهد قادتها، والاستعداد للمضيّ قدُماً في المواجهة، وهذا ما أكدته الصواريخ العملاقة على ديمونا وعراد وما حملته من رسائل وما أدّت إليه من نتائج تدميرية في كيان العدو.
وبالأمس رأينا كيف تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تهديده باستهداف محطات الكهرباء والبنية التحتية للطاقة في إيران، إذا لم يتمّ فتح مضيق هرمز مجدّداً، وقد اخترع ترامب "خبرية" أنّ مفاوضات حصلت مع مسؤولين إيرانيين وتمّ التوصل إلى تفاهمات معينة، وبالتالي مدّد مهلة التهديد إلى خمسة أيام إضافية تنتهي يوم السبت المقبل، لكن الإيرانيين نفوا بشكل مطلق أن تكون هناك أيّ اتصالات أو مفاوضات مع الأميركيين، مما يؤكد أنّ ترامب ومعه شريكه في العدوان بنيامين نتنياهو وصلا إلى حائط مسدود ولم يبقَ أمامهما إلا إعلان الهزيمة، وتلبية شروط إيران ومحور المقاومة، وأول هذه الشروط وقف الاعتداءات في كلّ المنطقة من إيران إلى لبنان وغزة والعراق واليمن، وهذا ما يؤكد أحقية قرار المقاومة في لبنان بدخول المعركة لكي تضع حداً نهائياً لغطرسة العدو الإسرائيلي واعتداءاته التي استمرّت طيلة خمسة عشر شهراً لم يسلَم خلالها لا بشر ولا حجر ولا زرع، وبالتالي كان ضرورياً استغلال هذه الفرصة، لفرض وقائع جديدة تعيد الأمن والأمان إلى أهل الجنوب والضاحية والبقاع ولبنان بأسره، على قاعدة "وجع ساعة ولا كلّ ساعة"...


