*منجد شريف*
لم يتوانَ العدو عن ارتكاب المجازر بشتى أنواعها، بل أمعن فيها تفنّنًا وسفكًا للدماء، منذ البدايات الأولى وحتى قيام هذه الدولة المزعومة، غير عابئٍ بكل المواثيق والشرائع الدولية لحقوق الإنسان. ولم يتوقف الأمر عند حدود الحروب التقليدية، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، مستهدفًا الرضّع والأطفال والشيوخ، فضلًا عن المدنيين الآمنين، تحت شعارات واهية كـ”الظن” و”الحروب الاستباقية” بذريعة تحقيق الأمن.
لكن أيّ أمنٍ هذا الذي يُبنى على شلالات من الدماء؟ وأيّ دولةٍ تلك التي لا تستقيم إلا بمزيد من القتل والتدمير؟ حتى باتت حملاتهم السياسية ومنافساتهم على السلطة تمرّ عبر مزيد من الدم المسفوك بحق شعوبٍ اغتُصبت أرضها وحقوقها.
ولم تقف هذه الجرائم عند استهداف المدنيين، بل تجاوزت كل قواعد الاشتباك، لتطال الجسم الصحافي والإعلامي، في مشهدٍ مأساوي يعكس نهجًا واضحًا وممنهجًا. إذ يتّبع الاحتلال نمطًا فتاكًا في استهداف ناقلي الحقيقة، في محاولة لإسكات الحقيقة و الرواية عن الأطماع التوسعية و الإحتلال وحجب الصورة عن العالم.
بالأمس، ارتقى شهيدا الكلمة الحرّة:
علي شعيب وفاطمة فتوتي…
لم يكونا طرفًا في معركة، ولم يحملا سلاحًا، بل حملا الكلمة والصورة، فكانت كافية ليُستهدفا ويُغتالا. سقطا لأنهما اختارا أن يكونا شهودًا على الحقيقة، في زمنٍ يُعاقَب فيه من يراها وينقلها.
وقبل هذا المشهد الدامي، تتوالى الأسماء التي تحوّلت إلى سجلّ حيّ لدم الحقيقة:
أنس الشريف، الذي استُهدف داخل خيمة الصحافيين؛
حمزة الدحدوح، الذي ارتقى في مطلع عام 2024؛
مصطفى ثريا، الذي استُشهد وهو يحمل عدسة الحقيقة؛
حسام شبات، الذي طاله الاستهداف في سيارته؛
محمد أبو حطب، الذي اغتيل مع عائلته داخل منزله؛
خالد المدهون، أحد أقدم مراسلي تلفزيون فلسطين؛
وعصام عبد الله، الذي سقط في جنوب لبنان وهو يوثّق العدوان.
وليس هذا المشهد وليد اللحظة، بل هو امتدادٌ لنهجٍ قديم:
شيرين أبو عاقلة (2022)، التي تحوّل صوتها إلى أيقونة؛
يوسف أبو حسين (2021)، الذي استُهدف في منزله؛
ياسر مرتجى (2018)، الذي قنصته رصاصة وهو يحمل الكاميرا؛
سيموني كاميلي (2014)، الذي استُشهد أثناء تغطية الميدان؛
فضل شناعة (2008)، الذي واجه دبابة بعدسته؛
وجيمس ميلر (2003)، الذي دفع حياته ثمنًا لصورةٍ صادقة.
إنها ليست مجرد أسماء تُذكر، بل هي وثيقة اتهام دامغة، تؤكد أنّ استهداف الصحافة ليس حادثًا عابرًا، بل سياسة ممنهجة تمتد منذ عقود، حيث يُراد للحقيقة أن تُغتال، وللصورة أن تُحجب، وللرواية أن تُطمس.
وكأنّ المطلوب من كل هذه الاغتيالات هو كمّ الأفواه، وإخفاء حجم الدموية التي باتت سمةً ملازمة لهذا الكيان، في تحدٍ صارخ لكل القوانين والأعراف الدولية، حتى بدا وكأنّ هذه القوانين لا تنطبق عليه، فيفعل ما يشاء من قتل واحتلال وتهجير دون رادع.
لكن، هل يمكن لهذا المسار أن يستمر؟ وهل يعقل أن تبقى دولة قائمة على هذا الكمّ من الدماء، محاطة ببحرٍ من العداء، دون أن تدفع الثمن؟
التاريخ لا ينسى… والدم لا يضيع.
فلكل دمٍ أولياء، ولكل مظلومية امتداد، ولن تبقى هذه الجرائم بلا أثر، مهما طال الزمن.
إنها حرب على الكلمة…
لكن الحقيقة، مهما استُهدفت، لا تُقتل… بل تزداد حضورًا، وتكتب نفسها بدم من حملوها.



