*عبير حمدان*
حين سمعتُ الخبر لم أملك سوى الدمع لأزيل القهر عن روحي، وكيف للغة أنّ تعبّر عن وجع القرى التي حفظت خطواته، لكن مَن مثل الحاج علي شعيب لا يسمو إلا شهيداً على درب النصر…
يا علي، يا مَن كنتَ ذاكرة البلاد، وحارس تلك التخوم والثغور، كم هو قوي حبرك ونهجك وخطك والمذياع الذي تحمله منذ شربت جداول المقاومة وحفظت الأناشيد الثورية والتراتيل وآيات الصمود والتصدي.. كم هو قويّ صوتك الذي أذلّهم عقوداً، كم هو قويّ إيمانك وسيبقى طيفك عصيّاً على قنابلهم الحاقدة.
لست بحاجة إلى توثيق معرفتي بالحاج علي، فكلّ لبنان يعرفه، تعرفه الحدود والشيخ والطفل وأبناء الكرامة في كلّ الساحات، صوت الحق، وعميد المراسلين الحربيّين وحافظ ذاكرة المقاوم، لا يغيّبه حقد القنابل المعادية.
كنتُ ألتقيه في جولات الإعلاميين قبل التحرير ويكفي أن تحيّيه ليصلك ذاك النبض الأصيل لكلّ ما هو جميل في الجنوب، ولعلّ الصورة الوحيدة التي سرقتها إلى جانبه كانت في الذكرى العاشرة للتحرير هناك بين شجيرات القرى حاولت أن أتعلّم من حضوره مفهوم الثبات دون خوف والتمسّك أكثر بموقف العزّ الذي يؤسّس للحياة الحرة.
وحاولتُ منذ عقد ونيّف توثيق مرحلة ما قبل تحرير العام 2000 بشهادات من إعلاميّي الجنوب، وكان الحاج علي الشهيد والشاهد، الشهيد الذي لسنوات لم يتمكّن منه العدو، فكان على مدى 40 عاماً شاهداً على إجرام العدو وحاضراً لتوثيق ملاحم المقاومين في مواجهة هذا الإجرام، لكن في كلّ مرة كانت الظروف تعاكس احتمالية إجراء اللقاء، وأذكر أنّ باقي الزملاء الذين حاورتهم كانوا يُخبرونني عن يوميات التغطيات قبيل التحرير وخلاله وبعده، لكنهم جميعهم أكدوا لي أنّ الذاكرة المقاومة المكتملة حاضرة فقط عند “الحاج علي شعيب”، المراسل الحربي الصادق والقادر على كسر عنجهيّة المحتلّ في كلّ كلمة وتقرير وصورة يوثقها…
حبّذا لو تمكّنت من توثيق بعضٍ من ذاكرته التي من واجبنا كصحافيين وإعلاميين أن نحفظها ذخيرة للأجيال وندوّنها مقالات وكتباً ومراجع تُدرّس في الجامعات…
فاطمة “زهرة الميادين”، كما تمّ توصيفها، والتي عرفتُها من خلال حضورها الدائم في الجنوب نجمة تضيء عتمة بعض الإعلام الذي يتجرّد من الحقيقة والمهنية، فاطمة التي نعت أفراداً من عائلتها في رسالة على الهواء مباشرة ولم تنكسر بل زاد إصرارها على البقاء في قلب المواجهة، ولم تحمِها الخوذة والدرع، لأنّ ثبات فاطمة وموقفها المؤيد عن سابق إيمان وقناعة بالمقاومة أرعب العدو فكان هروبه من مذياعها وصوتها عبر صواريخه الخمسة الحاقدة…
صواريخ العدو لاحقت فاطمة بعد خروجها من السيارة، لم تكتف باستهدافها بل أكملت غيّها في محاولة مجرم دمويّ عدم ترك شهود على هول ما يقترفه من مجازر متنقلة بحق الإعلاميين والمدنيين والمسعفين… الصواريخ التي استهدفت فاطمة، قتلت أيضاً المسعفين الذين حاولوا إنقاذها.
فاطمة ارتقت مع شقيقها محمد وكأنه أراد أن يلازمها في السماء كما لازمها على الأرض أخاً وزميلاً يوثق العدوان بعدسة الكاميرا.
فاطمة اليوم بخير في ظلّ رحمة ربٍّ كريم، وتزداد معرفتنا بها وبأخيها من كلمات الأب الذي استقبل مَن يواسيه بالصبر متحدثاً عن فاطمة و”حمودي”، عن يقينهما وتمسكها بالمقاومة ونهجها، فكيف للموت أن يهزم شعباً عزيزاً أبياً، صابراً ومحتسباً…
حين تنتهي الحرب ستعود فاطمة برفقة أخيها إلى “الطيبة” هناك سيزهر الأقحوان والورد البري الأصفر وسينبت من بين الصخور ألف مقاوم، ولو أنّ فاطمة لن تطلّ بتقرير مباشر لتنقل حكايا العودة برايات النصر، لكنها ستشعّ كلّ مساء نجمة جنوبية تروي للصغار حكاية صبية بهية لم تترك الميدان إلا مستشهدة، حكاية ستجعل عيونهم تغفو بأمانٍ أنّ على الثغور عين لا تنام، ويد قابضة على الزناد وصوت إعلام حرّ يوثق الواقع وينقله للعالم كله جبهة متقدّمة تتوازى مع كافة جبهات المقاومة.
لِـ علي وفاطمة ومحمد ومَن سما معهم على درب النصر كلمات من نور… لشعلة لن تنطفئ وميادين لن تهدأ إلا بالتحرير الكامل الكثير من الدمع وربيع البلاد بعبق زعتر الجنوب وقمح سهل البقاع…





